يعتقد فتى أنه يبذل قصارى جهده في كل شيء... حتى يقرر أحدهم أن يقيس هذا الجهد بالفعل.
قصة ممتعة عن الخيال، والمسؤولية، واكتشاف الذات.
تفاصيل القصَّة :
— عليك أن تبذل جهدًا أكبر يا زياد.
— أنا أبذل جهدي بالفعل.
— ليس بما يكفي.
— وكيف عرفتِ ذلك؟
تركت والدته ما كانت تفعله والتفتت إليه.
— لأن النتائج لا تعكس ذلك.. لقد رسبت في مادتين.
— لكنني نجحت في البقية.
— هذا جيد، لكنه ليس كافيًا.
زفر زياد بضيق.
— لا يهم ما أفعله، فهو لا يرضيكِ أبدًا.
— لا يا زياد —أجابت محاولةً الحفاظ على هدوئها—، المشكلة أنك تعتقد أن جلوسك لبعض الوقت يعني أنك أديت ما عليك.
— إذن أنتِ تعترفين بأنني أجلس للدراسة!
— لكنك لا تدرس بجدية.. تتشتت، تتوقف، ثم تعود... هذه الطريقة لا تنفع.
أطبق زياد فكيه بغضب.
— دائمًا نفس الأسطوانة.. بين المعلمين الذين يتحاملون عليّ وأنتِ التي لا ترين جهدي...
أخرجت والدته الهواء ببطء.
— لو كنت تبذل جهدًا أكبر... ربما لم تكن لتشعر بذلك.
— وما أدراكِ أنتِ بحجم الجهد الذي أبذله!
— مسؤوليتك الوحيدة الآن هي دراستك —أضافت وقد بدأ صبرها ينفد—، وأنت لا تقوم بها كما يجب.
— قلت لكِ إنني أدرس.
— وأنا أقول لا.
تبادلا نظرات متوترة.
— هذا الأسبوع، ستُمنع من استخدام الهاتف في المساء —حكمت عليه أخيرًا—، ولن تخرج في عطلة نهاية الأسبوع.
— ماذا؟
— كما سمعت.
— لكنني أدرس!
— ليس بما يكفي.
— هذا ظلم!
— الظلم هو ألا تؤدي واجباتك ثم تغضب فوق ذلك.
هز زياد رأسه، وقد اشتعل غضبًا.
— حقًا... أنتم لا تفهمون شيئًا.
استدار وخرج من المطبخ.
— زياد! —نادته والدته من الخلف.
لكنه لم يعد يستمع إليها.
عبر الممر بخطوات سريعة، وعندما وصل إلى غرفته، دفع الباب بقوة حتى دوى صوت الصفقة في أرجاء المنزل.
ألقى بنفسه على السرير، والغضب لا يزال يعتصر صدره.
التقط قصة مصورة من على الطاولة الجانبية دون أن ينظر حتى إلى غلافها؛ فتحها من المنتصف لمجرد أن يشغل يديه بشيء، وليس رغبةً في القراءة.
أخذ يقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى دون أن يستوعب كلمة، بينما كان صدى الشجار يتردد في رأسه، إلى أن قاطعه شيء جعله يفقد تسلسل أفكاره.
كان صوتًا بعيدًا، يصعب تحديد مصدره، لكنه بدأ يتشكل تدريجيًا ليصبح شيئًا مألوفًا: موسيقى، هادئة ولكنها مستمرة، وكأنها تصدر من خلف جدار.
توقف زياد عن تقليب الصفحات ورفع رأسه ليصغي جيدًا، فتسمر في مكانه عندما أدرك أن الصوت لا يأتي من الشارع ولا من الممر، بل من غرفته، وتحديدًا... من خزانة الملابس.
عقد حاجبيه واعتدل ببطء، محدقًا في الباب المغلق الذي بدا طبيعيًا كالمعتاد، باستثناء تفصيل واحد لا ينبغي أن يكون هناك: كانت تتسرب من الشقوق أضواء ملونة تومض في الداخل، بالإضافة إلى خيط رفيع من الدخان كان يمكن أن يظنه مجرد تخيل لولا أن الموسيقى استمرت، بل وأصبحت أكثر وضوحًا.
— حسنًا... هذا غير معقول —تمتم محدثًا نفسه.
ترك القصة المصورة على السرير دون أن يرفع عينيه عن الخزانة، نهض وتقدم ببطء، وكأن حركته البطيئة ستساعده على فهم ما يحدث، حتى توقف تمامًا أمام الباب.
أصبحت الموسيقى الآن واضحة تمامًا، إيقاعية، تحمل ذلك الطابع المبالغ فيه لبرامج المسابقات التلفزيونية، مما جعل الأمر برمته أكثر غرابة.
مد يده نحو المقبض، تردد لثانية وأصابعه تلامسه، ثم فتح الباب أخيرًا.
عندما فتح الباب، لم يجد الجزء الداخلي لخزانته؛ بل وجد مساحة شاسعة مليئة بالأضواء الساطعة التي أجبرته على تضييق عينيه على الفور.
تسمر في مكانه للحظة، ويده لا تزال على الباب، غير متأكد مما إذا كان يجب عليه إغلاقه بقوة أم التراجع خطوة إلى الوراء، ولكن قبل أن يتمكن من اتخاذ قرار، ارتفع صوت الموسيقى فجأة وتُسلط عليه ضوء كشاف مبهر.
— وها هو متسابقنا يصل!
دوى الصوت في أرجاء الاستوديو، مضخمًا، ومبالغًا فيه، ويستحيل تجاهله.
— مباشرة من غرفته، بصفقة باب لا تزال جدران المنزل ترتجف منها... زياد مكسّسسسر الأبوااااب العمريييي!
ضج الجمهور بالتصفيق.
رمش زياد عدة مرات، وقد فقد تركيزه تمامًا، بينما حاولت عيناه استيعاب كل ما أمامه :
مدرجات مليئة بأشخاص يصفقون ويهتفون، شاشات عملاقة تومض باسمه بحروف لامعة، كاميرات تتحرك من جانب إلى آخر، وفي وسط كل ذلك، رجل يرتدي بدلة غريبة ومبهرجة وضيقة، يبتسم وكأن ما يحدث هو أطبيعي شيء في العالم.
— هيا، هيا، لا تكن خجولًا —قال المذيع مقتربًا منه بخطوات سريعة وطاقة تبدو وكأنها لا تنضب—.
تقدم يا زياد، فاليوم لديك الكثير لتثبته.
تقدم زياد خطوة دون وعي منه، وكأن شخصًا دفعه برفق من ظهره، ولاحظ أن الأرض تحت قدميه لم تعد أرضية غرفته، بل سطحًا أملس ولامعًا يعكس أضواء السقف.
— لكن... ما هذا؟ —تمتم وهو ينظر حوله.
— هذه يا عزيزي زياد، فرصة العمر! —أجاب المذيع واصطف بجانبه مشيرًا إلى الجمهور بحركة واسعة—.
لقد جئت اليوم لتثبت لنا شيئًا في غاية الأهمية.
صفق الجمهور مجددًا، وكأنهم يعرفون تمامًا عما يتحدث.
عقد زياد حاجبيه.
— أنا لم آتِ لأي شيء.
— بالطبع جئت! —رد المذيع بابتسامة أعرض—.
لقد جئت لتثبت أنك فتى يبذل جهدًا كبييييرًا... حتى وإن كان البعض لا يرى ذلك.
عند سماع ذلك، رفع زياد رأسه قليلًا.
— بالطبع.
— ولهذا السبب تحديدًا —تابع المذيع وهو يقفز قفزة خفيفة في مكانه—، سنضع ذلك قيد الاختبار اليوم.
توقف وقفة درامية وهو ينظر إلى الكاميرا.
تغيرت ألوان الأضواء.
وانخفضت الموسيقى، مما خلق حالة من الترقب المربك.
— لأننا هنا... —أضاف مطيلًا كل كلمة— لا نعتمد على الآراء.
استدار ببطء نحو زياد.
— هنا، نحن نقيس الواقع.
ابتلع زياد ريقه دون أن يدرك.
طرقع المذيع أصابعه.
ومن أحد جوانب المسرح، دخل شخصان يدفعان آلة غريبة مليئة بالأسلاك والأضواء والمستشعرات التي تومض بإيقاع خاص.
— زياد العمري —أعلن المذيع بحماس—، اليوم ستتعرف على... مقياس الجهد.
جن جنون الجمهور بالتصفيق.
صفق المذيع بيديه فتغيرت الموسيقى فجأة، لتصبح أخف وأكثر مرحًا، بينما أضاءت شاشة عملاقة خلفهما.
— الحالة الأولى! —أعلن بحماس—.
مهمة بسيطة، يومية، وتبدو غير ضارة... لكنها تخبرنا بالكثير.
ظهرت على الشاشة لقطات لـ زياد وهو يخرج من المنزل مع كلبه، هاتفه في يده، وسماعات الأذن في أذنيه؛ الكلب يشمشم زاوية بينما يسحب زياد السلسلة برفق ليواصل المشي، مشهد آخر يحدق فيه بالشاشة دون أن يرفع عينيه، ومشهد ثالث يعود فيه إلى باب العمارة بعد دقائق معدودة.
كان الجمهور يراقب بصمت.
ضيق زياد عينيه.
— حسنًا، لكن هذا...
— أخذ كلبك بندق في نزهة —تابع المذيع مستديرًا نحو الجمهور—. مسؤولية يومية.
لحظة كان يمكن أن تكون... شيئًا آخر.
اقترب قليلًا من زياد، وخفض صوته بعض الشيء.
— أو لا.
لوح زياد بيده.
— لكنني آخذه في نزهة بالفعل.
— وهذا رائع! —أجاب المذيع بابتسامة مشرقة—. لم يقل أحد عكس ذلك.
ابتعد عنه ورفع الميكروفون.
— لكننا هنا لا نقيس ما إذا كنت تفعل الشيء... بل كيف تفعله.
تفاعل الجمهور بهمهمة متواطئة.
— حان وقت التصويت! —أعلن مشيرًا إلى المدرجات—.
عندما يرن الجرس، قيّموا، من ١ إلى ١٠، مستوى الجهد الذي بذله متسابقنا.
نظر زياد إلى الجمهور وانتفض عندما أدرك أن والديه يجلسان في أحد الصفوف، وعلى مقربة منهما... عدد من زملائه في المدرسة.
وفي الصف الأول، جالسًا بهدوء مدهش، كان كلبه بندق، يمسك بلوحة بين كفوفه.
— مستحيل... —تمتم زياد.
— مستعدون! —صرخ المذيع.
— انطلاق!
— الآن!
— دينغ، دينغ!
رُفعت اللوحات في نفس الوقت تقريبًا.
١... ٢... ٣...
رفع بندق لوحة مكتوب عليها 2.5.
اتسعت عينا زياد.
— ما هذا بحق...؟
— يا إلهي، يا إلهي... —تغنى المذيع وهو يتجول على المسرح—.
يبدو أن جمهورنا ليس متأكدًا تمامًا.
توقف أمام زياد.
— أخبرني يا زياد... هل تعتقد أنه كان بإمكانك قضاء وقت أطول قليلًا؟ ربما تركه يشمشم براحة أكبر؟ أو الذهاب إلى الحديقة؟
تردد زياد وهو يختلس النظر إلى الشاشة.
— حسنًا... أنا...
— لا بأس —قاطعه المذيع بلطف—.
دعنا نرى ماذا يقول مقياس الجهد.
خفتت الأضواء للحظة بينما أصدرت الآلة طنينًا خافتًا، وكأنها تعالج بيانات مهمة.
أضاءت شاشة الأرقام.
ظل الرقم معلقًا على الشاشة لثوانٍ.
تفاعل الجمهور بهمهمة مكبوتة.
فتح المذيع عينيه على اتساعهما.
— أربعة!
وضع يده على صدره مبالغًا في اندهاشه.
— زياد، زياد، زياد... أخشى أننا في هذه الحالة لا يسعنا إلا أن نمنحك...
توقف وقفة درامية.
ارتفعت الموسيقى.
— إبهامًا لأسفل!
ظهر رمز عملاق لإبهام يشير إلى الأسفل على الشاشة بينما صفق الجمهور بحماس.
انحنى زياد قليلًا إلى الأمام، وقد شعر بالحرج.
— لكنني أخرجه كل يوم...
ابتسم المذيع وأومأ برأسه ببطء.
— وهذا ممتاز.
صمت قليلًا.
— لكننا اليوم لا نقيس ما إذا كنت تفعل الشيء... بل كيف تفعله.
استدار المذيع بحركة مبالغ فيها وأشار مجددًا إلى الشاشة.
— نواصل التقدم!
تغيرت الموسيقى مرة أخرى، وهذه المرة بإيقاع أسرع وأكثر مرحًا، وكأن ما سيأتي سيكون أسهل بكثير.
— الحالة التالية —أعلن مطيلًا الكلمات—: ترتيب... الملااااابس.
ظهرت على الشاشة لقطات متتالية تقريبًا، واحدة تلو الأخرى.
قميص مرمي على كرسي.
بنطال على الأرض، في منتصف المسافة بين السرير والباب.
جوارب غير متطابقة تطل من تحت المكتب.
سترة رياضية مجعدة في الحمام.
يومًا بعد يوم، مشهدًا بعد مشهد، تتكرر نفس القصة مع اختلافات بسيطة.
ثم تغير المشهد.
والداه يجمعان الملابس، يرفعان قميصًا، يترددان لثانية، يقربانه من وجهيهما لشمه، وينظران إلى بعضهما البعض غير متأكدين مما إذا كان يجب وضعه في سلة الغسيل أم إعادته إلى الخزانة.
تعالت بعض الضحكات من الجمهور.
تململ زياد في مكانه.
— حسنًا، لكن هذا...
— مشهد كلاسيكي —قاطعه المذيع متجولًا بهدوء—.
السؤال الأبدي: هل هذا نظيف... أم ليس تمامًا؟
رفع حاجبيه بمرح وهو يشير إلى الشاشة.
المزيد من الضحكات من الجمهور.
هز زياد رأسه.
— حسنًا، لكن هذا يحدث للجميع.
— ربما —أجاب المذيع هازًا كتفيه قليلًا—.
لكننا هنا لا نتحدث عن الجميع.
استدار نحوه بابتسامة لم تكن ودية تمامًا.
— نحن نتحدث عنك.
أشاح زياد بنظره.
— حان وقت التصويت! —أعلن المذيع رافعًا صوته مجددًا—.
أنتم تعرفون كيف تسير الأمور.
— مستعدون!
— انطلاق!
— دينغ، دينغ!
رُفعت اللوحات من جديد.
٢... ١... ٣...
رفعت والدته ٢.
والده ٢.
تردد بندق لثانية... ثم رفع ٣.
نظر إليه زياد.
— حقًا؟
أفلتت من المذيع ضحكة صغيرة.
— يبدو أن أحدهم يقدر الجهد... حتى وإن كان ضئيلًا.
عقد زياد ذراعيه منزعجًا.
— لكنني أرتبها لاحقًا.
— أحيانًا —عقب المذيع بلطف—.
وأحيانًا أخرى... يرتبها شخص آخر نيابة عنك.
ساد صمت قصير.
— دعنا نرى ماذا يقول مقياس الجهد.
أصدرت الآلة مجددًا ذلك الطنين المميز، بينما ومضت الأضواء بإيقاع أسرع.
ظهر الرقم على الشاشة.
تفاعل الجمهور بـ «أوووه» مكبوتة، ووضع المذيع يده على جبهته.
— ثلاثة! زياد، هذا بدأ يصبح مقلقًا...
توقف ناظرًا إلى الجمهور.
— الإبهام الثاني لأسفل.
ظهر الرمز مجددًا على الشاشة، مصحوبًا بالتصفيق.
زم زياد شفتيه، ونظر إلى الأرض للحظة.
— لكن الأمر لا يستحق كل هذا...
راقبه المذيع لثوانٍ، وهو يفرك يديه ببعضهما البعض مفكرًا.
— قد يبدو الأمر كذلك.
أشار إلى الشاشة، حيث كانت لا تزال هناك لقطات مجمدة للملابس المبعثرة.
— أحيانًا، لا يكمن الجهد في فعل شيء كبير... بل في عدم التوقف عن فعل الأشياء الصغيرة.
صمت المذيع لثوانٍ، تاركًا صدى النتيجة الأخيرة يستقر في الأذهان، ثم ابتسم مجددًا، لكن هذه المرة ببريق مختلف في عينيه.
— والآن... —قال مطيلًا الكلمات قليلًا وهو يستدير نحو الشاشة—، الحالة الأخيرة لهذا اليوم.
تغيرت الموسيقى لتصبح أبطأ وأكثر حدة، وخفتت الأضواء قليلًا، وكأن الاستوديو بأكمله أدرك أن الأمر لم يعد مجرد جزء من العرض.
— زياد —تابع ملتفتًا إليه—، هنا يتحدد مصيرك.
توقف قليلًا ورفع صوته ليحصد تصفيق الجمهور.
— الموضوع هو... الدراااااااااااسة.
أضاءت الشاشة لتظهر الصورة الأولى: زياد جالس أمام المكتب، الكتاب مفتوح والهاتف بجانبه.
في الصورة التالية، تلتقط يده الهاتف دون تفكير تقريبًا؛ ثم الشاشة المضيئة، رسائل تصل، مقاطع فيديو، ضحكات، بينما لا يزال الكتاب مفتوحًا على نفس الصفحة تمامًا.
استمرت الصور تتوالى بإيقاع ثابت: معلم يعلن عن امتحان بعد أسبوعين، الأيام تمر يومًا بعد يوم، أمسيات كاملة يفعل فيها زياد أشياء كثيرة، لكنه لا يدرس، المكتب فارغ، جهاز الألعاب يعمل، الهاتف حاضر دائمًا، يشغل كل فراغ.
وفجأة، تغيرت اللقطات إلى الليلة التي تسبق الامتحان:
زياد جالس، متوتر، محاط بالملخصات، يقلب الصفحات بسرعة مبالغ فيها، يضع خطوطًا دون أن يقرأ جيدًا، ينظر إلى الساعة مرارًا وتكرارًا، محاولًا استيعاب ما أهمله لأيام في بضع ساعات.
ساد صمت مطبق في الاستوديو.
وضع زياد يده على وجهه، يفرك عينيه، متجنبًا النظر إلى الشاشة لثوانٍ.
— حسنًا... يكفي —تمتم، وكأنه يحدث نفسه—. يكفي.
— حسنًا، لن نطيل الأمر أكثر... حان وقت التصويت —قال المذيع، هذه المرة بنبرة أكثر جدية.
رفع زياد نظره نحو الجمهور وحينها رأى بوضوح: لم يكن هناك والداه أو بعض زملائه فقط، بل أيضًا عدد من معلميه، بعضهم يعقد ذراعيه، والبعض الآخر يراقب بصمت، وفي الصف الأول، كما هو الحال دائمًا، كلبه الذي كان ينظر إليه برأس مائل قليلًا.
— لا، لا... —همس زياد هازًا رأسه.
— دينغ، دينغ!
رُفعت اللوحات في نفس الوقت تقريبًا، مظهرة أرقامًا منخفضة لا تحتاج إلى الكثير من الشرح؛ ترددت والدته للحظة قبل أن ترفع لوحتها، لم يتردد والده، ورفع أحد المعلمين ١ دون أن يرمش له جفن، أما بندق، فبعد أن فكر لثانية، رفع 4.5.
نظر إليه زياد، بامتنان لم يتوقع أن يشعر به.
ترك المذيع اللحظة تأخذ وقتها قبل أن يتابع.
— دعنا نرى ماذا يقول مقياس الجهد.
أصدرت الآلة طنينًا أطول من المرات السابقة، وأكثر عمقًا، بينما ومضت الأضواء بإيقاع غير منتظم.
ظهر الرقم على الشاشة.
حل الصمت فورًا، أثقل من ذي قبل، وأخذ المذيع نفسًا خفيفًا قبل أن يتحدث، مقتربًا من زياد بتعبير يمزج بين الاستعراض وشيء من الجدية.
— زياد... أخشى أننا في هذه الحالة...
توقف وقفة مسرحية قصيرة.
— لدينا إبهام لأسفل أيضًا.
ظهر الرمز على الشاشة، مصحوبًا هذه المرة بتصفيق أكثر هدوءًا وأقل حماسًا من قبل.
ظل زياد ينظر إلى الأمام دون أن ينبس بكلمة.
استعاد المذيع طاقته المعتادة.
— لكن لا تقلق، فكل متسابق يحصل على جائزة ترضية.
بحركة من يده، ظهر شخص من جانب المسرح يحمل دمية محشوة: رمز تعبيري (إيموجي) بوجه حزين وإبهام ضخم يشير إلى الأسفل.
وضعوها في يدي زياد بينما عاد الجمهور للتصفيق واستعادت الموسيقى طابعها الاحتفالي.
وضع المذيع يده على ظهر زياد وبدأ يوجهه نحو جانب الاستوديو، مودعًا إياه بينما كانت الأضواء تدور والشاشات تكرر اسمه.
تقدم زياد دون وعي منه وعبر بابًا في نهاية المسرح.
على الجانب الآخر كانت غرفته، صامتة، وخزانة الملابس مغلقة وكل شيء كما كان، وكأن شيئًا لم يحدث.
وقف ثابتًا للحظة، ينظر حوله، ولا يزال فاقدًا للتركيز، ثم اقترب من الخزانة، وفتحها ليتأكد من عدم وجود شيء بالداخل سوى أغراضه، الفوضوية كعادتها.
أغلق الباب ببطء وخفض بصره.
بين يديه، لا يزال يمسك بقوة بالرمز التعبيري الحزين ذي الإبهام المتجه لأسفل.
أخرجه صوت خدش مألوف على الباب من أفكاره.
فتح زياد الباب فدخل بندق كالإعصار، يهز جسده كله من شدة الفرح.
توقف الكلب فجأة عند رؤية الدمية الصفراء، أمال رأسه وأطلق نبحة قصيرة.
نظر إليه زياد للحظة وأفلتت منه ضحكة صغيرة.
انحنى ليحك له بحماس خلف أذنيه.
— شكرًا لك على الأربعة والنصف، يا صديقي.
قرب منه الرمز التعبيري فالتقطه بندق في الهواء.
بدأ كل منهما يشد من جهة، الكلب يزمجر بقوة وزياد يمسك الدمية بكلتا يديه، مثبتًا قدميه على الأرض حتى لا ينجر.
في خضم الشد والجذب، تشوه الوجه الحزين للرمز التعبيري حتى أصبح غير معروف، وانتهى الأمر بالإبهام متجهًا إلى أي مكان عشوائي.
شد زياد بقوة أكبر، صامدًا أمام هجوم الكلب، بينما لم يتوقف بندق عن هز ذيله.
— هيا يا بندق، سنخرج اليوم في نزهة حقيقية.
العبرة :
«اللهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ وَإِلَى الْعَمَلِ»
قد يظنّ الإنسان أحيانًا أنّه يبذل كلَّ ما يستطيع، لأنّه يقارن نفسه بما يفعله الآخرون، أو لأنّه حاول قليلًا ثم تعب، أو لأنّه قام بجزء من واجبه.
لكنّ القصة تذكّرنا بأنّ الجهد الحقيقي لا يُقاس بما نقول إنّنا فعلناه، بل بما نضعه فعلًا من وقتٍ وأمانةٍ ومثابرةٍ في ما أوكل إلينا الله.
كان زياد يرى أنّه يدرس، لأنّه يجلس أمام كتبه، لكنّ وجود الكتاب مفتوحًا لا يعني بالضرورة أنّ العقل والقلب حاضران.
وهنا نتعلّم درسًا روحيًّا مهمًّا: ليس المهمّ أن نبدو وكأنّنا نعمل، بل أن نكون أمناء في العمل الذي بين أيدينا.
فالربّ يسوع لا يريد منّا حياةً تقوم على المظاهر والكلمات، بل حياةً تتحوّل فيها المحبّة إلى عمل. يقول الكتاب المقدّس:
«وَكُلُّ مَا فَعَلْتُمْ فَاعْمَلُوهُ مِنَ الْقَلْبِ كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاسِ»
(كولوسي ٣: ٢٣).
وفي الحياة المسيحيّة أيضًا، قد نقول: «أنا أصلّي»، لكن هل نعطي الله من وقتنا فعلًا؟قد نقول: «أنا أحبّ الآخرين»، لكن هل نغفر ونساعد ونبذل؟قد نقول: «أنا أخدم الربّ»، لكن هل نخدم بأمانة عندما لا يرانا أحد؟
الله لا ينظر إلى المظاهر، بل إلى القلب؛ وهو يعرف مقدار الأمانة التي نضعها في كل عمل.
لكن هناك جانبًا آخر جميلًا في القصة: نتيجة «مقياس الجهد» لم تكن نهاية زياد، بل كانت دعوةً إلى اكتشاف الحقيقة والبدء من جديد.
وهذا يشبه عمل الله معنا؛ فهو لا يكشف ضعفنا ليحطمنا، بل ليقودنا إلى التغيير.
فالإنسان المسيحي لا يقول :
«أنا هكذا ولا أستطيع أن أتغيّر»
بل يقول:
«يا ربّ، أرني ما ينقصني، وأعطني نعمتك لأبدأ من جديد».
والأجمل أنّ بندق، رغم كل شيء، لم ينظر إلى زياد كـ«فاشل»، بل بقي إلى جانبه، ثم خرج معه في نزهة.
وهنا نجد لمسةً جميلة عن المحبّة التي ترافق الإنسان وهو يتغيّر: نحن لا نحتاج فقط إلى من يكشف أخطاءنا، بل إلى من يساعدنا على النهوض والاستمرار.
لذلك، قد تكون الرسالة الأعمق للقصة:
لَا تَقِسْ نَفْسَكَ بِمَا تَقُولُ إِنَّكَ فَعَلْتَهُ، بَلْ اسْأَلِ الرَّبَّ بِصِدْقٍ: هَلْ أَعْطَيْتُكَ فِعْلًا أَفْضَلَ مَا أَسْتَطِيعُ؟
فالله لا يطلب منّا أن نكون كاملين، بل أن نكون أمناء، وأن نستخدم المواهب والوقت والمسؤوليات التي أعطانا إيّاها بأمانة، وأن ننهض كلّما قصّرنا.
وَلَيْسَ الْمُهِمُّ كَمْ كَانَ رَقْمُنَا فِي «مِقْيَاسِ الْجُهْدِ»، بَلْ أَنْ نَكُونَ مُسْتَعِدِّينَ كُلَّ يَوْمٍ لِنَقُولَ لِلرَّبِّ :
«يَا يَسُوعُ، أَعْطِنِي نِعْمَةَ أَنْ أَكُونَ أَمِينًا فِي الصَّغِيرِ قَبْلَ الْكَبِيرِ، وَأَنْ أَعْمَلَ بِقَلْبٍ صَادِقٍ، لَا لِأُرْضِيَ النَّاسَ، بَلْ لِأُرْضِيَكَ أَنْتَ.»
فريق عمل موقع المحبّة ©