كَانَتْ هُنَاكَ جَزِيرَتَانِ جَمِيلَتَانِ، تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بُحَيْرَةٌ صَافِيَةٌ تَلْمَعُ كَالزُّجَاجِ.
وَفِي وَسَطِ الْبُحَيْرَةِ كَانَتْ تُوجَدُ لُؤْلُؤَةُ السَّلَامِ، وَهِيَ لُؤْلُؤَةٌ مُضِيئَةٌ تَمْنَحُ الْمَكَانَ هُدُوءَهُ وَتَجْعَلُ الْمِيَاهَ عَذْبَةً وَالزُّرُوعَ مُثْمِرَةً.
وَفِي صَبَاحِ يَوْمٍ مَا، اخْتَفَتِ اللُّؤْلُؤَةُ!
دَقَّتِ الْأَجْرَاسُ، وَاجْتَمَعَ سُكَّانُ الْجَزِيرَتَيْنِ، وَبَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ يَتَّهِمُ الْآخَرَ.
قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْجَزِيرَةِ الشَّرْقِيَّةِ :
— «لَا شَكَّ أَنَّ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ الْغَرْبِيَّةِ هُمْ مَنْ سَرَقُوهَا!»
فَأَجَابَهُ آخَرُ بِغَضَبٍ :
— «بَلْ أَنْتُمْ مَنْ تُخْفُونَهَا، ثُمَّ تُلْقُونَ اللَّوْمَ عَلَيْنَا!»
وَكَادَ الْخِلَافُ يَتَحَوَّلُ إِلَى عَدَاوَةٍ كَبِيرَةٍ.
عِنْدَئِذٍ، تَقَدَّمَ فَتًى اسْمُهُ يُوحَنَّا، وَفَتَاةٌ اسْمُهَا مَرْيَمُ.
قَالَ يُوحَنَّا:
— «إِذَا تَشَاجَرْنَا، فَلَنْ تَعُودَ اللُّؤْلُؤَةُ.»
وَقَالَتْ مَرْيَمُ :
— «لِنَبْحَثْ عَنْ الْحَقِيقَةِ قَبْلَ أَنْ نُدِينَ أَحَدًا.»
اِنْطَلَقَا مَعًا حَوْلَ الْبُحَيْرَةِ، وَكَانَا يُصَلِّيَانِ كُلَّمَا تَعِبَا.
وَبَيْنَمَا هُمَا يَسِيرَانِ، وَجَدَا سُلَحْفَاةً عَجُوزًا تَنْظُرُ بِحُزْنٍ إِلَى الْمِيَاهِ.
سَأَلَهَا يُوحَنَّا :
— «يَا جَدَّتِي، هَلْ رَأَيْتِ اللُّؤْلُؤَةَ؟»
مابْتَسَمَتِ السُّلَحْفَاةُ وَقَالَتْ :
— «لَمْ يَسْرِقْهَا أَحَدٌ... وَلَكِنَّ عَاصِفَةَ اللَّيْلِ حَمَلَتْهَا إِلَى الْمَغَارَةِ الْقَدِيمَةِ.»
سَارَا حَتَّى بَلَغَا الْمَغَارَةَ، فَوَجَدَا اللُّؤْلُؤَةَ عَالِقَةً بَيْنَ الصُّخُورِ.
قَالَتْ مَرْيَمُ بِفَرَحٍ :
— «الْحَمْدُ لِلّٰهِ! لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ خَائِنًا.»
وَعَادَا سَرِيعًا إِلَى السُّكَّانِ.
قَالَ يُوحَنَّا:
— «كُنَّا سَنُحَارِبُ بَعْضَنَا، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لِصٌّ أَصْلًا.»
فَخَفَضَ الْجَمِيعُ رُؤُوسَهُمْ خَجَلًا.
وَقَالَ شَيْخُ الْجَزِيرَتَيْنِ :
— «لَقَدْ عَلَّمَنَا هٰذَا الْيَوْمُ أَنَّ الْغَضَبَ يُعْمِي الْقَلْبَ، أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَتُكْتَشَفُ بِالصَّبْرِ وَالْمَحَبَّةِ.»
فَفَتَحَ يُوحَنَّا الْإِنْجِيلَ، وَقَرَأَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ :
«طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ يُدْعَوْنَ.»
فَتَعَانَقَ أَهْلُ الْجَزِيرَتَيْنِ، وَطَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ السَّمَاحَ مِنَ الْآخَرِ، وَأُعِيدَتْ لُؤْلُؤَةُ السَّلَامِ إِلَى مَكَانِهَا، فَعَادَتِ الْمِيَاهُ تَلْمَعُ، وَعَادَتِ الْبَسْمَةُ إِلَى الْوُجُوهِ.
العِبْرَة :
إِنَّ الْمَسِيحَ يَدْعُونَا أَلَّا نُسْرِعَ فِي إِدَانَةِ الْآخَرِينَ، بَلْ أَنْ نَبْحَثَ عَنِ الْحَقِيقَةِ بِالْمَحَبَّةِ وَالصَّلَاةِ، لِأَنَّ السَّلَامَ الَّذِي يَغْرِسُهُ اللهُ فِي الْقُلُوبِ أَقْوَى مِنْ كُلِّ خِلَافٍ، وَالْمَغْفِرَةُ هِيَ الطَّرِيقُ الَّذِي يَقُودُنَا إِلَى الْفَرَحِ الْحَقِيقِيِّ.
فريق عمل موقع المحبّة ©