فِي أَعْمَاقِ جِبَالٍ بَعِيدَةٍ، حَيْثُ تَتَعَانَقُ السُّحُبُ مَعَ القِمَمِ، كَانَ هُنَاكَ كَهْفٌ غَامِضٌ يُدْعَى "كَهْفُ الأَصْدَاءِ الزَّرْقَاءِ". لَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ عَلَى دُخُولِهِ، لِأَنَّ أَصْوَاتًا غَرِيبَةً كَانَتْ تَنْبَعِثُ مِنْهُ، كَأَنَّهَا هَمْسُ أَرْوَاحٍ قَدِيمَةٍ.
فِي قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ، عَاشَتْ فَتَاةٌ صَغِيرَةٌ تُدْعَى لِيرَا. كَانَتْ فُضُولِيَّةً جِدًّا، تُحِبُّ الاِكْتِشَافَ وَتَطْرَحُ أَسْئِلَةً لَا تَنْتَهِي. بَيْنَمَا كَانَ الجَمِيعُ يَخَافُونَ مِنَ الكَهْفِ، كَانَ قَلْبُهَا يَمْتَلِئُ بِرَغْبَةٍ فِي مَعْرِفَةِ الحَقِيقَةِ.
فِي يَوْمٍ هَادِئٍ، قَرَّرَتْ لِيرَا أَنْ تَذْهَبَ إِلَى الكَهْفِ. حَمَلَتْ مِصْبَاحَهَا الصَّغِيرَ، وَتَقَدَّمَتْ خُطْوَةً بَعْدَ خُطْوَةٍ، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى مَدْخَلِهِ المُظْلِمِ.
تَرَدَّدَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ دَخَلَتْ.
كَانَتِ الجُدْرَانُ تَلْمَعُ بِلَوْنٍ أَزْرَقَ خَافِتٍ، وَمَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ، كَانَتْ تَسْمَعُ أَصْوَاتًا: ضَحِكَاتٍ، كَلِمَاتٍ مُتَقَطِّعَةً، وَأَصْدَاءً لِأَصْوَاتٍ بَشَرِيَّةٍ.
تَسَارَعَ نَبْضُ قَلْبِهَا، لَكِنَّهَا لَمْ تَتَوَقَّفْ.
وَصَلَتْ أَخِيرًا إِلَى قَاعَةٍ كَبِيرَةٍ، تَمْتَلِئُ بِحِجَارَةٍ زُجَاجِيَّةٍ زَرْقَاءَ، تَتَلَأْلَأُ كَالنُّجُومِ. وَفَجْأَةً، سَمِعَتْ صَوْتًا يَتَكَرَّرُ:"مَنْ هُنَا؟ مَنْ هُنَا؟"
خَافَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ:"أَنَا لِيرَا..."
فَرَدَّ الكَهْفُ: "لِيرَا... لِيرَا..."
عِنْدَهَا فَهِمَتْ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَشْبَاحٌ، بَلْ كَانَتِ الحِجَارَةُ الزَّرْقَاءُ تَحْفَظُ الأَصْوَاتِ وَتُعِيدُهَا كَأَصْدَاءٍ مُتَأَخِّرَةٍ.
اِبْتَسَمَتْ لِيرَا، وَتَقَدَّمَتْ تَلْمِسُ تِلْكَ الحِجَارَةَ بِدَهْشَةٍ.
كَانَتْ كُلُّ صَخْرَةٍ تَحْمِلُ ذِكْرَى صَوْتٍ مَرَّ مِنْ هُنَا قَبْلَ سِنِينَ.
عَادَتْ إِلَى قَرْيَتِهَا، وَرَوَتْ لِلنَّاسِ مَا اكْتَشَفَتْهُ.
فِي البِدَايَةِ، لَمْ يُصَدِّقُوهَا، لَكِنَّ بَعْضَهُمْ تَجَرَّأَ وَذَهَبَ مَعَهَا، فَرَأَوْا الحَقِيقَةَ بِأَعْيُنِهِمْ.
وَمِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، لَمْ يَعُدِ الكَهْفُ مَكَانًا مُخِيفًا، بَلْ أَصْبَحَ مَكَانًا لِلتَّعَلُّمِ وَالدَّهْشَةِ.
أَمَّا لِيرَا، فَقَدْ أَدْرَكَتْ أَنَّ أَكْبَرَ الأَسْرَارِ لَا تُكْشَفُ بِالخَوْفِ، بَلْ بِالشَّجَاعَةِ وَالفُضُولِ.
وَعَاهَدَتْ نَفْسَهَا أَنْ تَبْقَى دَائِمًا بَاحِثَةً عَنِ الحَقِيقَةِ، مَهْمَا بَدَتْ غَامِضَةً.
وَهَكَذَا بَدَأَتْ رِحْلَتُهَا مَعَ الاِكْتِشَافِ...
العِبرَة من القصَّة :
تُعَلِّمُنا هذِهِ القِصَّةُ أَنَّ الخَوْفَ كَثيرًا ما يَجْعَلُنا نَبْتَعِدُ عَنِ الحَقيقَةِ، أَمَّا الإِيمَانُ وَالثِّقَةُ بِاللهِ فَيَقودانِنا إِلى النُّورِ.
فَكَمَا لَمْ تَكُنِ الأَصْوَاتُ فِي الكَهْفِ أَشْباحًا بَلْ سِرًّا جَميلًا مُخْتَبِئًا، هكَذا أَيْضًا فِي حَياتِنا، كَثيرٌ مِنَ الأُمورِ الَّتي نَخافُها تَحْمِلُ فِي داخِلِها نِعْمَةً إِلهِيَّةً إِذا وَثِقْنا بِالرَّبِّ وَتَقَدَّمْنا بِإِيمانٍ.
وَتُذَكِّرُنا القِصَّةُ أَيْضًا بِقَوْلِ الرَّبِّ :
"لَا تَخَفْ، آمِنْ فَقَطْ".
فَالشَّجاعَةُ الحَقيقيَّةُ هِيَ أَنْ نَسِيرَ مَعَ اللهِ حَتَّى فِي المَجْهُولِ.
كَمَا أَنَّ لِيرَا بَحَثَتْ عَنِ الحَقيقَةِ، هكَذا نَحْنُ مَدْعُوُّونَ أَنْ نَبْحَثَ عَنِ اللهِ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَسِيرُ فِي النُّورِ لَا يَبْقَى فِي الظُّلْمَةِ.
الخُلاصَة :
الإِيمَانُ يَطْرُدُ الخَوْفَ، وَالبَحْثُ عَنِ الحَقِيقَةِ يَقودُنا إِلى اللهِ.
فريق عمل موقع المحبّة ©