فِي إِحْدَى الْقُرَى الْجَمِيلَةِ، كَانَتْ تَعِيشُ فَتَاةٌ تُدْعَى غْرِيتِل.
كَانَتْ تَعْمَلُ فِي بَيْتِ رَجُلٍ طَيِّبٍ يُحِبُّ اللهَ وَيُسَاعِدُ الْفُقَرَاءَ.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، قَالَ السَّيِّدُ لِغْرِيتِل:
— «يَا غْرِيتِل، سَيَزُورُنَا الْيَوْمَ رَاهِبٌ مُسِنٌّ.. أَعِدِّي لَهُ دَجَاجَتَيْنِ شَهِيَّتَيْنِ لِنَتَنَاوَلَ الْغَدَاءَ مَعًا.»
أَجَابَتْ:
— «حَسَنًا يَا سَيِّدِي، سَأُعِدُّهُمَا بِكُلِّ اجْتِهَادٍ.»
بَدَأَتْ غْرِيتِل بِالطَّهْيِ، وَانْتَشَرَتْ رَائِحَةُ الدَّجَاجِ الشَّهِيَّةُ فِي الْمَنْزِلِ.
وَكُلَّمَا اشْتَدَّتِ الرَّائِحَةُ، اشْتَدَّ جُوعُهَا.
فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا :
— «سَأَتَذَوَّقُ قِطْعَةً صَغِيرَةً فَقَطْ، فَهٰذَا لَنْ يُؤْذِي أَحَدًا.»
أَكَلَتْ قِطْعَةً صَغِيرَةً.
ثُمَّ قَالَتْ:
— «وَقِطْعَةً أُخْرَى لِأَتَأَكَّدَ مِنْ أَنَّ الطَّعَامَ نَاضِجٌ.»
وَمَا هِيَ إِلَّا دَقَائِقُ حَتَّى أَكَلَتِ الدَّجَاجَةَ الْأُولَى كُلَّهَا!
شَعَرَتْ بِالْخَوْفِ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تَتَوَقَّفْ، بَلْ أَكَلَتِ الدَّجَاجَةَ الثَّانِيَةَ أَيْضًا.
وَعِنْدَمَا انْتَبَهَتْ إِلَى مَا فَعَلَتْه، وَضَعَتْ يَدَيْهَا عَلَى وَجْهِهَا وَقَالَتْ:
— «آهِ! مَاذَا سَأَفْعَلُ الْآنَ؟»
فِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ، سَمِعَتْ صَوْتَ جَرَسِ الْبَابِ.
وَصَلَ الرَّاهِبُ الضَّيْفُ.
ثُمَّ وَصَلَ السَّيِّدُ بَعْدَ قَلِيلٍ.
كَانَ بِإِمْكَانِ غْرِيتِل أَنْ تَكْذِبَ، لَكِنَّهَا تَذَكَّرَتْ كَلَامًا سَمِعَتْهُ فِي الكَنِيسَةِ :
«اَلْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ.»
فَشَعَرَتْ بِوَخْزٍ فِي قَلْبِهَا.
دَخَلَ السَّيِّدُ وَقَالَ :
— «أَيْنَ الطَّعَامُ يَا غْرِيتِل؟»
أَطْرَقَتْ رَأْسَهَا وَقَالَتْ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ :
— «سَيِّدِي... لَدَيَّ أَمْرٌ أَعْتَرِفُ بِهِ.»
تَعَجَّبَ السَّيِّدُ.
— «مَاذَا حَدَثَ؟»
فَقَالَتْ وَالدُّمُوعُ فِي عَيْنَيْهَا :
— «أَخْطَأْتُ.. لَمْ أُقَاوِمْ شَهْوَتِي، وَأَكَلْتُ الدَّجَاجَتَيْنِ.. كُنْتُ أُفَكِّرُ فِي الْكَذِبِ، لَكِنِّي لَمْ أُرِدْ أَنْ أُخْفِيَ الْحَقِيقَةَ.»
سَادَ الصَّمْتُ لِبُرْهَةٍ.
ثُمَّ ابْتَسَمَ الرَّاهِبُ وَقَالَ :
— «يَا ابْنَتِي، مَنْ لَا يُخْطِئُ؟ لَكِنَّ الشَّجَاعَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ أَنْ نَعْتَرِفَ بِخَطَئِنَا.»
وَقَالَ السَّيِّدُ :
— «أَنَا حَزِينٌ لِمَا فَعَلْتِهِ، لَكِنِّي فَرِحٌ لِأَنَّكِ قُلْتِ الصِّدْقَ.»
فَرَكَعَتْ غْرِيتِل وَقَالَتْ :
— «يَا رَبُّ يَسُوعُ، اغْفِرْ لِي.. عَلِّمْنِي أَنْ أَكُونَ أَمِينَةً وَأَنْ أُطِيعَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِي.»
فَصَلَّى الْجَمِيعُ مَعًا، ثُمَّ أَعَدُّوا وَجْبَةً بَسِيطَةً مِنَ الْخُبْزِ وَالْجُبْنِ وَالْفَاكِهَةِ، وَتَنَاوَلُوهَا بِفَرَحٍ وَشُكْرٍ.
وَمُنْذُ ذٰلِكَ الْيَوْمِ، تَعَلَّمَتْ غْرِيتِل أَنَّ الْكَذِبَ يُضَاعِفُ الْخَطَأَ، أَمَّا الصِّدْقُ فَيَفْتَحُ بَابَ الْغُفْرَانِ وَالْبَدَايَةِ الْجَدِيدَةِ.
العِبْرَة :
إِنَّ اللهَ لَا يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَكُونَ بِلَا أَخْطَاءٍ، بَلْ أَنْ نَكُونَ صَادِقِينَ وَتَائِبِينَ.
عِنْدَمَا نَعْتَرِفُ بِخَطَايَانَا، يَغْفِرُ لَنَا الرَّبُّ وَيُعْطِينَا قَلْبًا جَدِيدًا.
الصِّدْقُ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ حِيلَةٍ، وَالْحَقُّ يَقُودُنَا دَائِمًا إِلَى نُورِ الْمَسِيحِ.
فريق عمل موقع المحبّة ©