26 Feb
26Feb

فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ بَيْنَ التِّلَالِ، كَانَ يَعِيشُ طِفْلٌ اسْمُهُ نَادِرٌ.


كَانَ نَادِرٌ طَيِّبَ القَلْبِ، لٰكِنَّهُ كَثِيرُ التَّذَمُّرِ، خُصُوصًا فِي أَيَّامِ الصَّوْمِ.


فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الصَّوْمِ، جَلَسَ نَادِرٌ عَلَى الطَّاوِلَةِ وَقَالَ مُتَنَهِّدًا :


— «لِمَاذَا يَجِبُ أَنْ نَصُومَ؟ أَنَا جَائِعٌ!»


إبْتَسَمَتْ أُمُّهُ وَقَالَتْ بِلُطْفٍ :


— «يَا نَادِرُ، الصَّوْمُ لَيْسَ فَقَطْ عَنْ الطَّعَامِ، بَلْ عَنْ تَعَلُّمِ الصَّبْرِ وَالمَحَبَّةِ.»


هَزَّ نَادِرٌ رَأْسَهُ وَلَمْ يَقْتَنِعْ.


فِي ذٰلِكَ اليَوْمِ، خَرَجَ إِلَى الحَقْلِ حَيْثُ كَانَ جَدُّهُ يَزْرَعُ البُذُورَ.سَأَلَهُ نَادِرٌ :


— «يَا جَدِّي، لِمَاذَا تَدْفِنُ الحَبَّاتِ فِي التُّرَابِ؟ أَلَيْسَ ذٰلِكَ مُؤْلِمًا لَهَا؟»


ضَحِكَ الجَدُّ وَقَالَ :


— «يَا صَغِيرِي، الحَبَّةُ إِذَا بَقِيَتْ فَوْقَ الأَرْضِ تَبْقَى حَبَّةً، أَمَّا إِذَا دُفِنَتْ وَصَبَرَتْ، تَصِيرُ سُنْبُلَةً جَمِيلَةً.»


نَظَرَ نَادِرٌ إِلَى يَدَيْهِ الصَّغِيرَتَيْنِ وَسَأَلَ :


— «وَهَلِ الصَّوْمُ مِثْلُ الحَبَّةِ؟»


إبْتَسَمَ الجَدُّ :


— «نَعَمْ، يَا نَادِرُ. عِنْدَمَا نَصُومُ بِدُونِ تَذَمُّرٍ، نَزْرَعُ فِي قُلُوبِنَا حَبَّةَ صَبْرٍ، وَسَتَنْبُتُ فَرَحًا.»


فِي اليَوْمِ التَّالِي، شَعَرَ نَادِرٌ بِالجُوعِ مَرَّةً أُخْرَى، وَكَادَ يَتَذَمَّرُ… لٰكِنَّهُ تَذَكَّرَ الحَبَّةَ الصَّغِيرَةَ.


أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ فِي قَلْبِهِ :


«سَأَكُونُ كَالحَبَّةِ… سَأَصْبِرُ.»


وَبَدَلَ أَنْ يَشْكُوَ، ذَهَبَ وَسَاعَدَ أُمَّهُ فِي تَرْتِيبِ البَيْتِ، ثُمَّ أَعْطَى أُخْتَهُ الصَّغِيرَةَ قِطْعَةَ حَلْوَى كَانَ قَدِ احْتَفَظَ بِهَا.


شَعَرَ بِفَرَحٍ غَرِيبٍ يَكْبُرُ فِي دَاخِلِهِ.


بَعْدَ أَيَّامٍ، نَبَتَتِ البُذُورُ فِي الحَقْلِ، وَأَخَذَ الجَدُّ نَادِرًا لِيَرَى السُّنَابِلَ الخَضْرَاءَ.


قَالَ الجَدُّ :

— «أَتَرَى؟ الحَبَّةُ لَمْ تَتَذَمَّرْ، فَصَارَتْ جَمِيلَةً.»


إبْتَسَمَ نَادِرٌ وَقَالَ :

— «وَأَنَا أَيْضًا لَنْ أَتَذَمَّرَ. سَأَدَعُ الصَّوْمَ يُنْبِتُ فِيَّ شَيْئًا جَمِيلًا.»

ضَمَّهُ الجَدُّ بِمَحَبَّةٍ، وَقَالَ :

— «هٰذَا هُوَ سِرُّ الصَّوْمِ يَا بُنَيَّ… أَنْ نَتَغَيَّرَ مِنَ الدَّاخِلِ.»



🌟 العِبْرَةُ :

الصَّوْمُ لَيْسَ حِرْمَانًا، بَلْ زِرَاعَةُ فَرَحٍ فِي القَلْبِ.

وَمَنْ يَصْبِرْ دُونَ تَذَمُّرٍ، يُزْهِرْ حَيَاتُهُ كَالسُّنْبُلَةِ الذَّهَبِيَّةِ.


فريق عمل موقع المحبّة ©

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.