17 Jul
17Jul

قصة دافئة تلامس قلوب الأطفال والآباء، تدور حول "سارة" التي تكتشف أن الشجاعة الحقيقية لا تعني محاربة الوحوش، بل كسر حاجز الصمت والوقوف بجانب صديقة ظلمها الجميع. حكاية عن قوة الصداقة والتعاطف.


منذ عدة أسابيع، كان هناك لقبٌ قاسٍ يتردد صداه في أروقة المدرسة، ولم يجرؤ أحد على الاعتراض عليه: "الفتاة الموبوءة".


لم يتذكر أحدٌ بالضبط من أطلق هذه الإشاعة أول مرة، لكن الجميع رددوها كأنها حقيقة مُسلم بها.


قيل إنها لا تستحم، وإن رائحتها غريبة، وإن من يقترب منها قد يصاب بعدوى غامضة. 


في قرارة أنفسهم، كان الجميع يعلمون أن هذا غير صحيح، لكن اللعبة تحولت إلى حقيقة جماعية، والأسوأ من ذلك أن الفتاة نفسها توقفت عن الدفاع عن نفسها.


كانت سارة دائمًا من النوع الذي يراقب من بعيد.


لم تكن تشارك في السخرية، لكنها لم تنطق بكلمة للدفاع عنها أيضًا.


أحيانًا، كانت تبتسم مجاملةً عندما تُلقي صديقاتها النكات، وحين تمر تلك الفتاة في الممر، كانت سارة تتجنب النظر في عينيها حتى لا تلفت الانتباه.


ومع ذلك، بدأت تشعر بعقدة في معدتها في كل مرة تراها منكمشة على نفسها في مقعدها الدراسي.


لم يكن شعورًا بالخوف أو الخجل، بل كان شعورًا بعدم الارتياح. كان هناك خطأ ما.


في صباح أحد الأيام، دخلت سارة الفصل خلفها مباشرة. 


رأتها تخفض رأسها وتضم كتبها إلى صدرها بقوة.


شيء ما في انكسار وقفتها جعل سارة تشعر بوخزة في ضميرها.

ودون تفكير، قالت سارة ببساطة:

— "مرحبًا".

رفعت الفتاة رأسها بدهشة. 


كانت عيناها تفيضان بالحيرة، وكأنها تتوقع أن تكون هذه التحية مجرد خدعة أو مزحة ثقيلة.

وأخيرًا، تمتمت بصوت خافت: 

"مرحبًا"، قبل أن تجلس في مقعدها.


شعرت سارة بالعيون تلاحقها. 


كانت صديقاتها يتهامسن خلف ظهرها.


— "كيف تتحدثين إليها؟ إنها لا تستحم!" قالت إحداهن بنبرة تمزج بين المزاح والجد.


لأول مرة، لم ترد سارة بضحكة خجولة أو بهز كتفيها. 


بجدية تامة، ولكن بصوت منخفض حتى لا تلفت الانتباه أكثر، أجابت:


— "هذا غير صحيح، وأنتِ تعرفين ذلك".


رمشت صديقتها بعينيها، متفاجئة من الرد.


لم تواصل النقاش، لكن التعليق ظل معلقًا في الهواء.


في تلك الليلة، وأثناء تناول العشاء، لم تستطع سارة كتمان الأمر، فحكت لوالديها ما حدث.


— "هناك فتاة في فصلي يطلقون عليها لقب (الفتاة الموبوءة).

لا أحد يقترب منها، ويقولون عنها أشياء قاسية طوال الوقت".


قطبت والدتها حاجبيها، ووضع والدها الملعقة جانباً بجدية.


— "وأنتِ؟" سأل الأب.


تململت سارة في كرسيها وقالت:


— "أنا... لا شيء. أنا لا أؤذيها".


— "وهل تفعلين شيئًا للدفاع عنها؟" أصر الأب.


أدركت سارة أن والدها محق في سؤاله، لكنه بدا لها سؤالًا صعبًا.


— "لا يا أبي. أود المساعدة، لكنني خائفة أن يسخروا مني أنا أيضًا...".


تنهدت والدتها وقدمت لها نصيحة غالية:


— "إذا كنتِ تريدين المساعدة حقًا، يمكنك فعل أمرين.

أولاً، لا تضحكي على (نكات) الآخرين.

ثانيًا، ادعيها لزيارتنا في المنزل.

إذا كنتِ قلقة من أن يربطوا بينك وبينها في المدرسة، يمكنك البدء بدعمها بهذه الطريقة.

أحيانًا، تكون الطريقة الأكثر فعالية لتغيير الأمور هي التصرف بصدق ودون خطب رنانة".

فكرت سارة في الأمر طوال الليل. إذا تحدثت إليها، هل سيضحكون عليها هي أيضًا؟ 

هل سيطلقون عليها ألقابًا سيئة؟

هل يستحق الأمر المخاطرة من أجل شخص لم تتعامل معه من قبل؟

ورغم كل الشكوك، في صباح اليوم التالي، عندما دخلت الفصل ورأتها وحيدة في مقعدها، حسمت سارة أمرها.


— "هل تودين المجيء إلى منزلي بعد الظهر؟ يمكننا حل الواجبات معًا ثم اللعب قليلاً".


نظرت الفتاة إليها بشك.


— "حقًا؟"


— "بالطبع"، ابتسمت سارة.


عندما رأت الصديقات سارة تقف بجانب "الفتاة المنبوذة"، تعالت الهمسات والنظرات. 


توترت سارة، لكنها لم تسمح لذلك بإيقافها.


كانت فترة ما بعد الظهيرة طبيعية بشكل مدهش. 


إكتشفت سارة أن الفتاة تملك ضحكة مُعدية، وأنها تحب نفس الأغاني التي تحبها سارة، وأنها بارعة جدًا في الرياضيات.

باختصار، كانت تشبههن تمامًا. حينها، أدركت سارة شيئًا مهمًا :

التنمر كان عشوائيًا تمامًا. 

اليوم كان الدور على تلك الفتاة، وغدًا قد يكون الدور على سارة أو أي من صديقاتها.


في اليوم التالي، ألقت سارة التحية على الفتاة عند دخول الفصل.

وفي وقت الفُسحة، قضت الوقت في الحديث والمشي معها في فناء المدرسة. 


وفعلت الشيء نفسه في اليوم التالي، والذي يليه.

قررت سارة أنها تفضل أن يتوقفوا عن الحديث معها هي أيضًا، على أن تشارك ولو لدقيقة واحدة أخرى في ذلك الظلم غير المبرر.


وشيئًا فشيئًا، بدأ شيء ما يتغير. بدأت بعض صديقات سارة المقربات، وبشكل طبيعي، بالانضمام إليهما والحديث بمرح.

بدأ الجدار غير المرئي الذي جعل من الفتاة منبوذة ينهار، ولأول مرة منذ وقت طويل، شعرت بأن الناس يرونها حقًا. 


ابتسامتها التي كانت خجولة في البداية، أصبحت أكثر إشراقًا، وبدأت تشارك في الأحاديث وتندمج مع المجموعة يومًا بعد يوم.


حتى جاء يوم، ذكر فيه شخص ما في الفصل ذلك اللقب القديم :

"الفتاة الموبوءة".

لكن هذه المرة، انطلق صوت آخر ليرد دون تردد:


— "كفى، لا أحد يصدق هذا الهراء. توقف عن ذلك".


ساد الصمت فورًا. فقدت الإشاعة قوتها.


انطفأت الضحكات الساخرة. 


لم يرغب أحد في أن يكون الشخص الوحيد الذي يؤذي الآخرين بلا سبب.


ودون الحاجة إلى مواجهات عنيفة أو خطابات بطولية، توقف اللقب القاسي.

عادت الفتاة لتكون ببساطة نور، طفلة طبيعية وعادية، لها اهتماماتها وأحلامها وقصصها. 

والأهم من ذلك، أنها لم تعد وحيدة.




العِبرَة :

يُعَلِّمُنَا الرَّبُّ يَسُوعُ أَنَّ المَحَبَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ، بَلْ مَوَاقِفُ شَجَاعَةٍ نَقِفُ فِيهَا إِلَى جَانِبِ الْمَظْلُومِ وَالْمُنْعَزِلِ. 


فَالصَّمْتُ أَمَامَ الظُّلْمِ قَدْ يُسَاهِمُ فِي اسْتِمْرَارِهِ، أَمَّا كَلِمَةُ حَقٍّ مَمْزُوجَةٌ بِالْمَحَبَّةِ فَقَدْ تُغَيِّرُ قَلْبًا وَحَيَاةً بِأَكْمَلِهَا.


لَقَدْ رَأَى يَسُوعُ كُلَّ مَنْ نَبَذَهُمُ الْمُجْتَمَعُ، وَاقْتَرَبَ مِنْهُمْ، وَرَدَّ إِلَيْهِمْ كَرَامَتَهُمْ.

وَهُوَ يَدْعُونَا أَنْ نَفْعَلَ الأَمْرَ نَفْسَهُ، فَلَا نُشَارِكَ فِي السُّخْرِيَةِ، وَلَا نَنْشُرِ الإِشَاعَاتِ، بَلْ نَكُونَ أَدَوَاتِ سَلَامٍ وَرَحْمَةٍ وَقَبُولٍ.


فَلْنَتَذَكَّرْ دَائِمًا قَوْلَ الرَّبِّ :

«كُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هٰكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ.» (مَتَّى ٧: ١٢)


وَلْنَطْلُبْ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ أَنْ يَمْلَأَ قُلُوبَنَا بِالْمَحَبَّةِ وَالشَّجَاعَةِ، لِنَرَى فِي كُلِّ إِنْسَانٍ أَخًا أَوْ أُخْتًا أَحَبَّهُمَا الْمَسِيحُ وَبَذَلَ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِهِمَا.


 فريق عمل موقع المحبّة ©

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.