17 Jul
17Jul

قصة مؤثرة عن ثعلب صغير جريح يجد الأمان بين يدي عائلة محبة، لكنه يكتشف أن الحب الحقيقي يعني أحيانًا العثور على المكان الذي تنتمي إليه حقًا.

رحلة دافئة تعلم الأطفال معاني الرحمة والتكيف.



كان الجوع والبرد القارس قد أنهكا قواه لدرجة أنه بالكاد استطاع تحريك أطرافه الصغيرة.


كان عالمه قد انحصر في فخٍ من الأسلاك الشائكة وسط الغابة، ذلك الفخ الذي أطبق على ذيله وحبسه سجينًا. 


وكلما حاول تحرير نفسه بيأس، ازداد السلك ضيقًا وتسبب له في المزيد من الألم. 


وفجأة، عندما سمع صوت خطوات تقترب فوق الثلج، حاول التحرك مدفوعًا بغريزة الهرب، لكنه لم يخرج منه سوى أنين خافت وضعيف.


صاح صوت طفولي بلهفة :

— يا أبي، تعال بسرعة!


رد صوت رجل وقور:

— لا تلمسه يا بني، يبدو أنه صغير ثعلب.

إن لم نتدخل لمساعدته، لا أظن أنه سيصمد طويلًا.

سأذهب لإحضار أدواتي من المخزن، هل يمكنك إحضار بطانية يا عزيزتي؟


حرره الإنسان بحذر شديد، متجاهلًا زمجراته المنهكة، وكان يتحدث إليه بنبرة هادئة ومطمئنة.

فجأة، شعر الثعلب بشيء دافئ وناعم يلف جسده المرتجف.

امتدت يد لتمسح على رأسه الصغير برفق.

كانت رائحة هذا الإنسان مختلفة عن الصيادين؛ كانت رائحة دافئة وأقل تهديدًا.

أغمض عينيه مستسلمًا بينما حملوه إلى مكان مليء بروائح غريبة وأصوات هادئة.


سألت امرأة بصوت حنون:


— إنه جميل جدًا، رغم حالته المزرية. هل تعتقد أنه سينجو؟


أجاب الرجل:


— سنبذل قصارى جهدنا. إنه صغير جدًا، ولا يزال لديه أمل في التعافي.


كان الدفء يغمر المكان، وعندما قدموا له الطعام، كان الجوع أقوى من الخوف.

ذلك الحساء الدافئ الذي يفوح برائحة اللحم كان أشهى شيء تذوقه في حياته.

شيئًا فشيئًا، استعاد قواه، ومعها عادت رغبته في الاستكشاف.

بدأ الطفل، الذي كان يراقبه دائمًا، يناديه بمرح.


— انظروا كم أصبح فراءه ناعمًا وكثيفًا!

— هذا صحيح، إنه سيد صغير وسيم ذو فراء أحمر، يجب أن نسميه روخو 🦊.


لم يفهم روخو معنى تلك الكلمات، لكنه كان يشعر بالأمان والحماية، محاطًا بالاهتمام والرعاية المستمرة.


كانت الأيام في ذلك المنزل رائعة.

كان هناك حيوانات أخرى أكبر حجمًا ترغب دائمًا في اللعب معه.

كانت كلابًا مرحة تنجح أحيانًا في لفت انتباهه، لكن في أحيان أخرى كان روخو يفضل البقاء وحده.

كان يحب استنشاق الروائح، وعض الأشياء، والركض مثل الريح في الحديقة.

ومع ذلك، لم تكن الأمور تسير دائمًا على ما يرام، فقد تلقى الكثير من التوبيخ بسبب سلوكه، خاصة في اليوم الذي هرب فيه ليتسلل إلى حظيرة دجاج الجار.

لقد استمتع بوقته كثيرًا، لكن يبدو أنه أخاف الدجاجات لدرجة أنها توقفت عن وضع البيض لعدة أيام.


المشكلة هي أن تلك الطيور كانت تثير فضوله لدرجة لا تقاوم. وفي أحد الأيام، تسلل روخو مجددًا إلى الحظيرة، مجذوبًا بصوت الدجاج ورائحة ريشه.

ركض خلفها بحماس، لكن الفوضى التي أحدثها كانت هائلة.

تطايرت الطيور وعلت أصواتها، وظهر الجار غاضبًا للغاية.

ركض روخو عائدًا إلى المنزل، لكن الجار تبعه وواجه عائلته البشرية بحدة.

صرخ الرجل عند باب المنزل:

— هذا الوضع لا يمكن أن يستمر! إذا تكرر هذا الأمر، سأبلغ هيئة حماية الحياة الفطرية.

هذا الثعلب لا يمكنه البقاء هنا، إنه خطر على حيواناتي!


كان روخو يراقب من داخل المنزل.

لم يفهم الكلمات بالضبط، لكنه أدرك نبرة الغضب.

شعر أن هناك خطبًا ما.

في تلك الليلة، تحدث البشر لساعات طويلة.


قالت المرأة وهي تنظر بحزن إلى روخو الذي كان ملتفًا بجانب الطفل على الأريكة:

— لقد كان الجار واضحًا.

إذا دخل الحظيرة مرة أخرى، قد يؤذيه أو يبلغ السلطات، وحينها سيأخذونه و...


قاطعها الرجل :

— لا يمكننا السماح بأن يأخذوه إلى أي مكان، لكنه أيضًا لا يمكنه البقاء هنا. 

نحتاج إلى إيجاد مكان يمكنه فيه أن يعيش كثعلب حقيقي.


وهكذا بدأت الاتصالات.

كان روخو يراقبهم وهم يتحدثون بتوتر عبر الهاتف. 

الكثير من الأماكن رفضت استقبال ثعالب، وأماكن أخرى بدت باردة وضيقة حيث لن يكون روخو سعيدًا.

حتى أخبرهم شخص ما أخيرًا عن مكان يُدعى "محمية الملاذ الآمن"، وهو ملجأ للحيوانات البرية.


— هذا هو المكان المناسب تمامًا.

سيكون بأمان هناك.


شعر روخو بأن حدثًا كبيرًا يلوح في الأفق عندما وضعوه في السيارة.

كان الطفل يبكي وهو يمسح على ظهره للمرة الأخيرة.


— ستكون بخير، أعدك بذلك.


عندما وصلوا إلى المحمية، كانت الروائح مختلفة تمامًا: رائحة الأرض، العشب، والحيوانات البرية.

رحب بهم أشخاص طيبون وقادوه إلى مساحة واسعة مخصصة للثعالب.

كان هناك ثعلبة عجوز ذات فراء رمادي تتحرك بحذر، وكأن بصرها ضعيف، وثعلب آخر نظر إليه بلامبالاة قبل أن يبتعد.


شعر روخو بالغرابة.

كان المكان واسعًا ومفتوحًا، مما أثاره وأخافه في آن واحد. في البداية، لم يجرؤ على التحرك كثيرًا وبقي بعيدًا عن الثعالب الأخرى، لكن في أمسية ممطرة، سمحت له الثعلبة العجوز لونا 🌙 بالاقتراب.

شمت وجهه بحذر وسمحت له بالنوم بجانبها طلبًا للدفء. 

شيئًا فشيئًا، بدأا يقضيان وقتًا أطول معًا.


أما الثعلب الآخر، تروينو ⚡، فكان يتجاهله معظم الوقت. 


ولكن في أحد الأيام، وبينما كان يلعب بمطاردة فرائس صغيرة خبأها الحراس كتدريب، رآه روخو يبتسم. كانت ابتسامة مختلفة، تشبه ابتسامته هو، ولأول مرة شعر أن هذا المكان قد يكون وطنه.


سمح تروينو لـ روخو بمرافقته، وبدأ يعلمه كيف يتصرف في هذه الحياة شبه الحرة.

أصبحا رفيقين في اللعب والمطاردة، ولأول مرة منذ فترة طويلة، شعر روخو بأنه ينتمي حقًا إلى هذا العالم.


عندما جاءت العائلة البشرية لزيارته، نظر إليهم روخو من بعيد بمزيج من الفضول والحنين.

تعانق البشر وهم يشاهدونه يركض بمرح في أنحاء المحمية.


— إنه في المكان الذي يجب أن يكون فيه.

انظروا إليه، يبدو سعيدًا جدًا.


وكان ذلك صحيحًا.

لأول مرة، شعر روخو أن الفراغ بداخله قد امتلأ.

لقد وجد مكانه، ووجد وطنه.




العِبرة :

تُذَكِّرُنَا قِصَّةُ رُوخُو أَنَّ الْمَحَبَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَعْنِي امْتِلَاكَ مَنْ نُحِبُّ، بَلْ أَنْ نَسْعَى إِلَى خَيْرِهِ، حَتَّى إِنْ كَانَ ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ مِنَّا التَّضْحِيَةَ.


فَالْعَائِلَةُ الَّتِي أَنْقَذَتْ رُوخُو لَمْ تُفَكِّرْ فِي رَاحَتِهَا أَوْ تَعَلُّقِهَا بِهِ، بَلْ بَحَثَتْ عَنْ الْمَكَانِ الَّذِي يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْيَا فِيهِ كَمَا خَلَقَهُ اللهُ.

وَهَذِهِ هِيَ الْمَحَبَّةُ الَّتِي تَبْحَثُ عَنْ خَيْرِ الآخَرِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ.


وَنَحْنُ أَيْضًا، يَدْعُونَا الرَّبُّ يَسُوعُ إِلَى أَنْ نُظْهِرَ الرَّحْمَةَ لِلضُّعَفَاءِ وَالْمُتْأَلِّمِينَ، وَأَنْ نَكُونَ أَدَوَاتِ حَنَانٍ وَرَجَاءٍ، لِأَنَّ : 

«طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُرْحَمُونَ» (متى ٥: ٧).


وَكَمَا وَجَدَ رُوخُو وَطَنَهُ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ قُلُوبَنَا لَنْ تَجِدَ الرَّاحَةَ الْحَقِيقِيَّةَ إِلَّا فِي اللهِ، الَّذِي خَلَقَنَا بِمَحَبَّةٍ وَيَدْعُونَا دَائِمًا لِنَحْيَا فِي مِلْءِ حَيَاتِهِ.


فَلْنَتَعَلَّمْ أَنْ نُحِبَّ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ، وَأَنْ نَرْحَمَ كَمَا يَرْحَمُنَا الآبُ السَّمَاوِيُّ، وَأَنْ نَطْلُبَ دَائِمًا خَيْرَ الْآخَرِينَ بِقَلْبٍ مُحِبٍّ وَأَمِينٍ.


 فريق عمل موقع المحبّة ©

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.