فِي غَابَةٍ خَضْرَاءَ جَمِيلَةٍ، عَاشَتْ دُودَةٌ صَغِيرَةٌ اسْمُهَا دُودُو.
كَانَتْ تَزْحَفُ كُلَّ يَوْمٍ بَيْنَ الْأَشْجَارِ وَالْأَزْهَارِ، وَتَحْفُرُ فِي التُّرَابِ بِهُدُوءٍ.
وَفِي كُلِّ صَبَاحٍ، كَانَتْ تَسْلُكُ الطَّرِيقَ نَفْسَهُ.
نَفْسُ الْأَشْجَارِ...
نَفْسُ الْأَزْهَارِ...
نَفْسُ الْمَكَانِ.
فَشَعَرَتْ بِالْمَلَلِ وَقَالَتْ بِحُزْنٍ :
— «آهٍ... لَيْتَ لَدَيَّ قُوَّةً سِحْرِيَّةً!»
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ :
— «أُرِيدُ أَنْ أَطِيرَ مِثْلَ الْعَصَافِيرِ، وَأَرَى الْغَابَةَ مِنْ فَوْقَ.. أَمَّا أَنَا فَلَا أَفْعَلُ شَيْئًا مُهِمًّا!»
كَانَتْ بِجَانِبِهَا شَجَرَةُ تُوتٍ كَبِيرَةٌ وَعَتِيقَةٌ.
سَمِعَتِ الشَّجَرَةُ كَلَامَهَا فَضَحِكَتْ بِلُطْفٍ وَقَالَتْ :
— «وَمَنْ قَالَ إِنَّكِ لَا تَفْعَلِينَ شَيْئًا مُهِمًّا؟»
تَعَجَّبَتْ دُودُو وَسَأَلَتْ :
— «أَنَا؟! وَمَاذَا أَفْعَلُ؟»
أَجَابَتِ الشَّجَرَة :
— «أَنْتِ تُحَرِّكِينَ التُّرَابَ حَوْلَ جُذُورِي، وَتُدْخِلِينَ الْهَوَاءَ إِلَيْهَا.. بِفَضْلِكِ أَحْصُلُ عَلَى مَا أَحْتَاجُهُ لِأَنْمُوَ وَأُزْهِرَ.»
فَتَحَتْ دُودُو عَيْنَيْهَا بِدَهْشَةٍ.
— «حَقًّا؟ أَنَا أُسَاعِدُكِ؟»
— «بِالطَّبْعِ يَا صَدِيقَتِي.. لِكُلِّ مَخْلُوقٍ دَوْرٌ جَمِيلٌ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ.»
فَرِحَتْ دُودُو، وَلَكِنَّهَا قَالَتْ :
— «مَعَ ذَلِكَ، أَتَمَنَّى أَنْ أَرَى الْغَابَةَ مِنَ الْأَعْلَى.»
هَزَّتِ الشَّجَرَةُ أَغْصَانَهَا وَقَالَتْ :
— «لَدَيَّ فِكْرَةٌ! تَسَلَّقِي فُرُوعِي، وَسَأُوصِلُكِ إِلَى أَعْلَى مَكَانٍ.»
بَدَأَتْ دُودُو تَتَسَلَّقُ بِبُطْءٍ.
فِرْعًا بَعْدَ فِرْعٍ...
وَوَرَقَةً بَعْدَ وَرَقَةٍ...
حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى أَعْلَى وَرَقَةٍ فِي الشَّجَرَةِ.
وَعِنْدَمَا نَظَرَتْ أَمَامَهَا... شَهِقَتْ مِنَ الدَّهْشَةِ!
— «وَاو!»
رَأَتِ الْغَابَةَ كُلَّهَا.
رَأَتِ الْأَشْجَارَ الْعَالِيَةَ.
وَالْوُرُودَ الْمُلَوَّنَةَ.
وَالنَّهْرَ الْبَعِيدَ يَلْمَعُ كَالْمِرْآةِ الزَّرْقَاءِ.
وَشَعَرَتْ بِنَسِيمٍ لَطِيفٍ يُدَاعِبُ وَجْهَهَا.
أَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا وَابْتَسَمَتْ.
وَهَمَسَتْ بِفَرَحٍ :
— «أَنَا أَطِيرُ... شُكْرًا لَكِ أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ!»
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سَمِعَتَا صَوْتًا صَغِيرًا بَيْنَ الْأَوْرَاقِ.
— «هَلْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَقُولَ شَيْئًا؟»
نَظَرَتْ دُودُو وَالشَّجَرَةُ فَوَجَدَتَا بَيْضَةً صَغِيرَةً تَسْتَرِيحُ تَحْتَ وَرَقَةٍ خَضْرَاءَ.
قَالَتِ الْبَيْضَةُ بِخَجَلٍ :
— «أَتَمَنَّى أَنْ أَكُونَ خَارِقَةً مِثْلَكِ يَا دُودُو... أُرِيدُ أَنْ أَحْفُرَ فِي الْأَرْضِ وَأَرَى مَا تَخْبِئُهُ مِنْ أَسْرَارٍ.»
نَظَرَتْ دُودُو إِلَى الشَّجَرَةِ.
وَنَظَرَتِ الشَّجَرَةُ إِلَى دُودُو.
ثُمَّ ابْتَسَمَتَا مَعًا.
وَقَالَتْ دُودُو بِحَنَانٍ :
— «لَا تَقْلَقِي يَا صَدِيقَتِي، لَا تَحْتَاجِينَ إِلَى قُوَّةٍ خَارِقَةٍ.»
— «حَقًّا؟»
— «نَعَمْ. كَمَا سَاعَدَتْنِي الشَّجَرَةُ، سَأُسَاعِدُكِ أَنَا.. وَعِنْدَمَا تَكْبُرِينَ، سَتَكْتَشِفِينَ الْمَوْهِبَةَ الْجَمِيلَةَ الَّتِي وَضَعَهَا اللهُ فِيكِ.»
فَابْتَسَمَتِ الْبَيْضَةُ بِسَعَادَةٍ .
وَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، بَدَأَتْ صَدَاقَةٌ جَمِيلَةٌ بَيْنَ دُودُو وَالْبَيْضَةِ الصَّغِيرَةِ.
وَتَعَلَّمَ الْجَمِيعُ أَنَّ السَّعَادَةَ لَيْسَتْ فِي أَنْ نَكُونَ مِثْلَ غَيْرِنَا، بَلْ فِي أَنْ نَكْتَشِفَ الْجَمَالَ الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ فِي دَاخِلِنَا.
العِبْرَة :
لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا مَوْهِبَةٌ خَاصَّةٌ، وَمَا نَرَاهُ عَادِيًّا فِينَا قَدْ يَكُونُ نِعْمَةً كَبِيرَةً لِلآخَرِينَ.
فريق عمل موقع المحبّة ®