رحلات عبر الزمن
في هذه المغامرة المشوقة، يعود الأقارب الأربعة إلى منزل الجد، لكن فضولهم يقودهم لكسر القواعد والسفر عبر الزمن.
إنضموا إليهم في رحلة مثيرة إلى عام ١٤٩٢، حيث التاريخ ينبض بالحياة وقيم الشجاعة والتعاون تُرسم في الأفق.
عاد الصيف حاملاً معه وعود الشمس والحرية والأسرار التي تنتظر من يكتشفها.
وكما جرت العادة في كل عام، عاد أبناء العمومة الأربعة إلى منزل الجد، ذلك المكان الذي يبدو وكأن الزمن يتوقف فيه بين صفوف الحقل الأخضر وغناء صراصير الليل عند الغروب.
تغيرت سيلفيا، الكبرى بينهم، منذ الصيف الماضي.
أصبحت الآن في الرابعة عشرة من عمرها، وبما أنها الأكبر سناً، نما لديها شعور قوي بالمسؤولية تجاه أبناء عمومتها.
بعد ما عاشوه من أهوال في مصر، قطعت عهداً على نفسها ألا يعودوا للوقوع في المتاعب.
لذا، وضعت قاعدة صارمة: يُمنع منعاً باتاً العودة إلى الكوخ الخشبي.
كانت تكرر عبارتها كأنها قائدة عسكرية تراقب جنودها:
"لا دراجات، لا عودة إلى الماضي، ولا مزيد من المخاطر".
لكن كارلوس ولويس كانا لا يزالان متعطشين للمغامرات.
في كل ظهيرة، وبينما كان الجد يأخذ قيلولته المعتادة، كان الاثنان يتسللان إلى الكوخ لتفقد الكنوز المخبأة هناك.
في إحدى المرات، عثرا على صندوق ذكريات الماضي الذي يخفيه الجد في زاوية معتمة:
عملات من عصور غابرة، أغراض غريبة، تماثيل جعارين، وتمائم متنوعة.
لكن أكثر ما سحر كارلوس كان جزءاً من خريطة، مرسوماً بحبر باهت على ورق قديم، يظهر هيكلاً لسفينة خشبية.
لم يكن هناك عنوان ولا توقيع، فقط خطوط متقنة وملاحظات بلغة قديمة.
قال كارلوس وهو يري الرسم للويس وعيناه تلمعان من الإثارة :
"يبدو هذا كمخطط لسفينة. أي نوع من السفن كانوا يبنون؟ وإلى أين كانوا يذهبون؟ علينا أن نكتشف ذلك!".
لكن لويس لم يجرؤ على عصيان ابنة عمه والمخاطرة بمغامرة جديدة.
مرت الأيام بين السباحة في البحيرة، والعمل في الحقل، والتنزه في الجبل.
وفي إحدى الليالي، أعلن الجد أنه يجب أن يذهب إلى القرية في وقت مبكر من اليوم التالي وسيقضي الليلة في الخارج لحل بعض الأمور المهمة، لذا سيترك لهم طعاماً كافياً ومفاتيح المنزل.
أومأت سيلفيا بجدية، وكذلك فعل كارلوس، رغم أن خطة كانت قد بدأت تتشكل في ذهنه.
في صباح اليوم التالي، عندما استيقظ لويس، وجد سرير كارلوس فارغاً.
لم يكن هناك سوى قطعة الخريطة المطوية بعناية فوق الوسادة.
صرخ لويس عند دخوله المطبخ :
"لقد رحل! كارلوس أخذ دراجة!".
شحب وجه سيلفيا.
أما كارولينا، التي كانت لا تزال بملابس النوم، فقد فركت عينيها وسألت :
"هل هو في الغابة؟".
رد لويس وهو يرفع الورقة القديمة :
"لا، لقد سافر عبر الزمن".
ترددت سيلفيا للحظة. كان حدسها يصرخ بأن يبقوا مكانهم.
ماذا لو لم يظهروا في نفس اللحظة التي ظهر فيها؟ وحتى لو وجدوه، هل سيتمكنون من العودة؟ لكن الخوف من أن يكون كارلوس عالقاً في ماضٍ خطير دفعها للتحرك.
صاحت بحزم :
"لنذهب للبحث عنه. الآن!".
ركضوا نحو الكوخ.
وبالفعل، كانت هناك دراجة مفقودة.
دون إضاعة المزيد من الوقت، امتطى الثلاثة دراجاتهم، وانطلقوا هبوطاً عبر منحدر الغابة، ومرة أخرى، أحاطت بهم زوبعة من أوراق الشجر والرياح والضوء.
ظهروا فجأة بين أزقة مرصوفة بالحجارة، تحيط بهم منازل ذات واجهات بيضاء وشرفات من الحديد المطروق.
كان الهواء يعبق برائحة الملح، والسمك، والخشب الرطب.
وفي الخلفية، كانت تُسمع أصوات المطارق، وهتافات نشيطة، وإيقاع أدوات النجارة وهي تضرب الخشب.
سألت كارولينا وهي لا تزال تشعر بالدوار من الرحلة :
"أين نحن؟".
هز لويس كتفيه وهمس :
"نحن في قرية ساحلية ما... لكن من الواضح أنها ليست في عصرنا...".
بجانبهم كان زقاق مليء بالأغراض القديمة، وتنفسوا الصعداء عندما وجدوا دراجة كارلوس مخبأة تحت غطاء قماشي كبير.
أخفوا دراجاتهم واستعدوا للبحث عنه.
ولكن، من أين يبدؤون؟
حينها لمحوا فتى في مثل سنهم يصعد الشارع بعجلة، يرتدي بنطالاً مرقعاً وقميصاً واسعاً، وشعره أشعث بفعل الرياح. نظر إليهم الفتى من أعلى إلى أسفل واقترب.
سألهم دون عدائية :
"هل تبحثون عن شيء ما؟".
شرحت سيلفيا :
"نبحث عن ابن عمنا.. اسمه كارلوس وهو ليس من هنا".
أومأ الفتى برأسه وقال :
"لقد كنت معه.. احتجزه جنود الميناء.. قالوا إنه كان يتجسس في أحواض بناء السفن بسبب غرابة ملابسه.. البلدة في حالة اضطراب مؤخراً؛ هناك جواسيس وشائعات وتوترات مع النبلاء، وأي غريب يثير الشكوك.. مع كل الأموال التي تُستثمر في هذه الرحلة، أصبح الشك سيد الموقف. كنت ذاهباً لطلب المساعدة".
سألت كارولينا :
"رحلة؟ من أنت؟".
أجاب الفتى :
"أنا ألونسو.. أبي يعمل في بناء السفن لصالح دار التجارة.. وأنا أحياناً أنقل الأدوات أو أقضي بعض الحاجات.. تعالوا معي!".
ركضوا خلفه عبر الشوارع الضيقة حتى وصلوا إلى أحواض بناء السفن، حيث كانت ترتفع فوق المياه سفينة شراعية ضخمة (كارافيل) قيد التجهيز. توقف أبناء العمومة مذهولين.
همس لويس :
"إنها تشبه سفينة كولومبوس!".
صحح ألونسو بفخر :
"إنها ليست مثل سفينة كولومبوس، بل هي سفينة كولومبوس. (سانتا ماريا).
رغم أنها كانت تسمى سابقاً (لا غاليغا)، وهي سفينة تجارية قدمها دون خوان دي لا كوسا".
سألت كارولينا :
"من؟".
رد ألونسو :
"رسام الخرائط الخاص بالرحلة.. يقولون إنه هو من رسم الخرائط التي ستقودنا إلى الهند. إنه صديق للأدميرال كولومبوس".
اتسعت عينا سيلفيا وسألت :
"في أي سنة نحن؟".
قال ألونسو باستغراب :
"ألا تعرفين؟ نحن في عام ١٤٩٢.. قريباً سيبحرون نحو الهند.. إنهم يبحثون عن طريق جديد!".
"وأين نحن بالضبط؟".
أجاب ألونسو :
"في (بالوس دي لا فرونتيرا) يا فتاة! هل ضربتِ رأسك أم ماذا؟".
ابتلع لويس ريقه؛ كان يعلم أنهم لن يصلوا إلى الهند عبر هذا الطريق، بل سيحققون اكتشافاً أهم بكثير.
ومع ذلك، أدرك أنه لا يستطيع قول شيء.
قادهم ألونسو عبر ممر يحاذي أحواض السفن، وصولاً إلى مكتب حجري صغير يحرسه جندي.
همس ألونسو :
"كارلوس في الداخل. سمعت أنهم يريدون أخذه لمقابلة مسؤول كبير.. لحسن الحظ، دون خوان دي لا كوسا لم يصل بعد".
قالت سيلفيا بحزم :
"علينا إخراجه قبل وصول أي شخص مهم".
اختبؤوا حتى انشغل الحارس مع مجموعة من البحارة الذين كانوا يتجادلون حول البضائع.
أشار ألونسو إلى نافذة مفتوحة وقال :
"ادخلوا من هناك. سأقوم أنا بتشتيت انتباه الجندي".
تسلق سيلفيا ولويس وساعدا كارولينا على العبور.
في الداخل، كان كارلوس جالساً على مقعد، مقيداً بحبل.
هتف مبتسماً رغم الموقف :
"كنت أعلم أنكم ستأتون!".
وبخته سيلفيا وهي تفك وثاقه :
"أنت متهور جداً".
مازحها قائلاً :
"لكنكِ جئتِ!".
فجأة فُتح الباب الخلفي بقوة، وكان ألونسو يشير لهم بالإسراع.
لكنهم لم يحسبوا حساباً لحارس ثانٍ اكتشف أمرهم.
صاح الحارس :
"توقفوا مكانكم!".
ركضوا عبر الأزقة حتى اندسوا وسط مجموعة من الأطفال يلعبون ببلابل خشبية.
قادهم ألونسو إلى منزله، وهو ورشة متواضعة مليئة بالأقمشة الملفوفة، والإبر الطويلة، وسلال كبيرة من القنب.
قامت والدته، وهي امرأة ذات عينين طيبتين، بإخفائهم في القبو.
وبعد فترة، عندما زال الخطر، دعتهم للخروج.
قالت وهي تغمز لسيلفيا :
"ليست المرة الأولى التي يقع فيها ابني في المشاكل بسبب مساعدة الغرباء".
سألت كارولينا :
"هل تعملين هنا يا سيدتي؟".
أجابت :
"نعم يا ابنتي. أنا أخيط الأشرعة للسفن.. كل غرزة يجب أن تكون متقنة، فالرياح لا ترحم".
عند الغروب وصل والد ألونسو، ويداه ملطختان بالقطران ووجهه يظهر عليه التعب من العمل.
عندما رأى الأطفال، قطب حاجبيه، لكنه سرعان ما تنهد، وغسل يديه في حوض مليء بالماء، ثم جلس معهم لتناول العشاء.
سأل بصوت عميق وهو يمضغ قطعة من الخبز :
"هل حقاً لا تعرفون ما يحدث؟ الملكان الكاثوليكيان مولا رحلة قد تغير العالم.. كولومبوس قضى سنوات يفاوض من أجل مشروعه، والكثيرون لا يؤمنون به.. البعض يقول إنه مجنون، والبعض الآخر يراه عبقرياً.. لكنه أقنع الملكة إيزابيلا، وهذا غير كل شيء.. ثروات آسيا، التوابل، الذهب... كل هذا قد يأتي عبر طريق جديد.. إذا نجح، سيغير التاريخ. ولكن إذا فشل...".
صمت للحظة وهو ينظر عبر النافذة، ثم أضاف :
"هنا الجميع يعمل بأمل، ولكن بخوف أيضاً.. ليس الكل موافقاً.. البعض يخشى أن تكون هذه الأموال تُرمى في البحر بلا طائل".
في تلك الليلة، أراهم ألونسو خرائط ملاحية، وأدوات نجارة بحرية، وقطعاً من الخشب المستخدم في السفن.
شرح بحماس :
"خشب البلوط من الشمال، صنوبر قوي، وقطران لسد الشقوق. نستخدم كل ما يطفو ويتحمل العواصف".
في صندوق الأدوات، رأى كارلوس شيئاً جعل أنفاسه تحتبس: قطعة تكاد تكون مطابقة للخريطة التي وجدها في كوخ الجد.
همس كارلوس :
"هذا... هذا يكمل الجزء الذي يملكه جدي".
هز ألونسو كتفيه وقال :
"وجدتها في الميناء منذ أشهر. إذا كانت تفيدك، فهي لك".
قبلها كارلوس بجدية تامة.
لم تكن مجرد ورقة؛ كانت رابطاً بين زمنين، وشاهداً على الرحلة.
عند الفجر، وبينما كانوا يستعدون للعودة، رأوا من نافذة الورشة رجلاً ممتلئ الوجه، ذو هيبة واضحة ولهجة غريبة، يرافقه مجموعة من الضباط.
أشار إليهم ألونسو بصوت خافت :
"ذلك هو الأدميرال كولومبوس".
راقب أبناء العمومة المشهد في صمت، شاعرين بأن التاريخ يمر أمام أعينهم.
لم يكن هناك وقت ليضيعوه، كان عليهم العودة إلى زمنهم قبل أن يعود الجد إلى المنزل ويلاحظ غيابهم.
ودعوا ألونسو بعناق حار وصادق.
سألهم :
"هل سنلتقي مجدداً؟".
قالت سيلفيا بابتسامة غامضة :
"من يدري...".
بحثوا عن منحدر مرصوف وركبوا دراجاتهم.
هبت الرياح مرة أخرى، وتلاشى شكل المنازل، وفي لحظة خاطفة، وجدوا أنفسهم مجدداً في الغابة.
دخلوا المنزل في اللحظة التي عاد فيها الجد.
لم يبدُ أن شيباً قد تغير، لكن قلوبهم كانت تنبض بقوة ما عاشوه.
في تلك الليلة، ذهب الجد إلى الكوخ. بحث بين الأغراض ووجد الخريطة الجديدة، مكتملة لأول مرة.
إرتسمت ابتسامة على وجهه الذي حفرت فيه السنون أخاديدها.
تنهد، وأغلق الصندوق، وعلق المفتاح في مكانه.
ورغم أنه لم ينطق بكلمة، كانت عيناه تلمعان بيقين أن المغامرة قد بدأت لتوها.
العِبْرَة مِنَ القصَّة :
تُعَلِّمُنَا هٰذِهِ القِصَّةُ أَنَّ الفُضُولَ قَدْ يَقُودُ إِلَى مَعْرِفَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى حِكْمَةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ.
فَكَارْلُوسُ تَصَرَّفَ بِانْدِفَاعٍ وَعَرَّضَ نَفْسَهُ وَالآخَرِينَ لِلْخَطَرِ، أَمَّا سِيلْفِيَا فَأَظْهَرَتْ شَجَاعَةَ القَائِدِ الَّذِي يَتَحَمَّلُ المَسْؤُولِيَّةَ وَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا وَحِيدًا.
وَتُذَكِّرُنَا أَيْضًا بِأَنَّ التَّعَاوُنَ وَالصَّدَاقَةَ وَمُسَاعَدَةَ الآخَرِينَ هِيَ الَّتِي تُخْرِجُنَا مِنْ أَصْعَبِ المَوَاقِفِ، كَمَا فَعَلَ أَلُونْسُو وَعَائِلَتُهُ، الَّذِينَ لَمْ يَتَرَدَّدُوا فِي مُسَاعَدَةِ غُرَبَاءَ كَانُوا فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِمْ.
وَتُبَيِّنُ لَنَا القِصَّةُ أَنَّ التَّارِيخَ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَحْدَاثٍ مَاضِيَةٍ، بَلْ هُوَ قِصَصُ أُنَاسٍ حَلِمُوا وَاجْتَهَدُوا وَتَحَلَّوْا بِالشَّجَاعَةِ، فَغَيَّرُوا العَالَمَ.
الخُلَاصَة :
كُنْ فُضُولِيًّا فِي طَلَبِ المَعْرِفَةِ، حَكِيمًا فِي تَصَرُّفَاتِكَ، وَأَمِينًا فِي مُسَاعَدَةِ الآخَرِينَ، فَبِالشَّجَاعَةِ وَالتَّعَاوُنِ وَالإِيمَانِ بِالأَحْلَامِ تُصْنَعُ أَجْمَلُ المُغَامَرَاتِ وَأَعْظَمُ الإِنْجَازَاتِ.
فريق عمل موقع المحبّة ©