23 Jul
23Jul

رحلات عبر الزمن


يكتشف أربعة أبناء عمومة سراً مذهلاً في كوخ جدهم المحظور، ليجدوا أنفسهم في رحلة سحرية تخطف الأنفاس. 


إنضموا إليهم في مغامرة عبر الزمن إلى مصر القديمة، حيث تنتظرهم الأهرامات والألغاز وصداقة غير متوقعة.


كان الصيف هو الوقت الأكثر انتظاراً في السنة بالنسبة لأبناء العمومة الأربعة.

وكما جرت العادة في كل عام، عادوا إلى منزل الجد في الريف، حيث كانت الأيام تمتلئ بالسباحة في البحيرة، والمشي لمسافات طويلة في الغابة، ومغامرات لا تنتهي. 


كان التوأم كارلوس ولويس، البالغان من العمر اثني عشر عاماً، وابنة عمهما سيلفيا، ذات الثلاثة عشر عاماً، والصغيرة كارولينا، ذات الأحد عشر عاماً، لا يفترقون أبداً خلال أشهر الحرية تلك. ☀️


كانت لدى الجد قواعد صارمة وواضحة : يجب المساعدة في البستان، والعناية بقن الدجاج، والحفاظ على ترتيب المنزل.


لكن القاعدة الأهم، والتي كان يُحظر عليهم كسرها تماماً، هي دخول الكوخ الخشبي القديم في الحديقة.


ذلك البناء القديم المغطى بخيوط العنكبوت وبابه المتهالك كان دائماً يثير القشعريرة في أجساد أبناء العمومة.


ورغم أنهم لم يشعروا بفضول كبير من قبل، إلا أن شيئاً ما تغير هذا الصيف.


في كل ليلة، كانوا يرون الجد يدخل الكوخ حاملاً أدوات ومصباحاً يدوياً.

كان يبقى هناك حتى وقت متأخر من الليل، وعندما يخرج، كان يغلق الباب بإحكام. أثار ذلك فضول الصغار بشكل لا يقاوم.


وفي صباح أحد الأيام، أعلن الجد أنه مضطر للذهاب إلى القرية ولن يعود حتى اليوم التالي. ترك لهم طعاماً جاهزاً وذكرهم بأنه في حال حدوث أي طارئ، يمكنهم الاتصال به، لكنه منعهم من استخدام الهاتف لأي غرض آخر.


بمجرد مغادرته، لاحظ كارلوس شيئاً غير معتاد.


كان مفتاح الكوخ معلقاً بوضوح تام على خطاف صغير في المطبخ.


تبادل أبناء العمومة النظرات؛ كانت دعوة لا يمكن تجاهلها.


بقلوب تخفق بشدة، دخلوا الكوخ. كان الهواء ثقيلاً ومليئاً بالغبار.


أدوات قديمة، وعجلات صدئة، وأشياء مكدسة تغطيها خيوط العنكبوت تملأ المكان. 


لكن في وسط كل ذلك، كان هناك شيء يلمع : دراجات هوائية قديمة، تم ترميمها بعناية فائقة.

لقد كان الجد يقوم بإصلاحها.


صاح لويس بحماس :

«إنها لنا!».


قالت كارولينا بتردد :

«ربما يجب أن ننتظر حتى يعطينا إياها بنفسه».


ردت سيلفيا :

«لكن إذا قام بإصلاحها، فهذا يعني أنه يريدنا أن نستخدمها».


حسموا أمرهم، وجهزوا طعاماً للنزهة وانطلقوا بالدراجات عبر طريق الغابة.


كان الهواء المنعش يداعب وجوههم بينما كانوا ينحدرون بسرعة من منحدر حاد. 


وفجأة، بدأت الرياح تدور حولهم بقوة.

أوراق الشجر والأغصان والغبار تجمعت في دوامة أحاطت بهم من كل جانب. 


أصبح كل شيء ضبابياً، وفي طرفة عين، لم يعودوا في الغابة. 🚲💨


أمامهم، ارتفعت أهرامات مهيبة لا تزال قيد الإنشاء.


كان صوت المطارق النحاسية التي تضرب الحجارة يتردد في الأجواء.


عشرات الرجال يجرون كتلاً حجرية ضخمة تحت شمس حارقة صبغت الرمال باللون الذهبي.

كانت رائحة الهواء مزيجاً من الغبار الساخن والعمل الشاق. 🏜️


همست سيلفيا وعيناها متسعتان من الذهول :


«أين نحن؟» 🤔


هزت كارولينا كتفيها وقد عقدت شفتيها؛ لم يكن الوقت مناسباً للكلام.

إختبأوا خلف بعض الصخور للمراقبة بشكل أفضل.

وحينها، لاحظوا شخصاً يراقبهم.

على بعد بضعة أمتار، كانت فتاة في مثل سنهم تتفحصهم بعيون واسعة وجسد متوتر، مستعدة للهرب في أي لحظة. 🕵️


في الخلفية، كان هناك صوت هادئ يرتل شيئاً بنبرة إيقاعية وموسيقية.

لم يكن غناءً تماماً، ولا  عادية. 🎶


سألت الفتاة بصوت خافت : 

«من أنتم؟». 👧


كانت تتحدث لغة مختلفة، لكن لسبب غريب، فهمها أبناء العمومة تماماً.


قال كارلوس متردداً :

«نحن... مسافرون».


تراجعت الفتاة خطوة إلى الوراء بريبة، تراقبهم بحذر لتقرر ما إذا كانوا يشكلون تهديداً.

همست دون أن ترفع عينيها عنهم :

«مسافرون؟ من أين؟ لم أرَ ثياباً مثل ثيابكم من قبل...» 🌍


تدخلت سيلفيا بابتسامة مطمئنة :

«شرح الأمر معقد قليلاً. لا تقلقي، لا نريد إيذاءك». 🤝


نظرت إليهم الفتاة بشك. لعدة ثوانٍ، كان الصوت الوحيد هو ذلك الترتيل المنوم الذي يملأ الهواء.


وأخيراً، بدت وكأنها استرخت قليلاً، وبابتسامة خجولة، قدمت نفسها :


«اسمي نفرت».


تبادل أبناء العمومة نظرات الارتياح.

وتذكر لويس طعام النزهة الذي أحضروه، فخطرت له فكرة مشاركته معها.


تأملت نفرت الفواكه والحلوى والشطائر بإعجاب قبل أن تقبلها بامتنان. 🍏


وبينما كانوا يتشاركون الغداء، طرح كارلوس السؤال الذي كان يلح عليه:


«اسمعي يا نفرت... في أي عام نحن؟».

قطبت جبينها في حيرة وقالت :


«لا أفهم سؤالك. نحن في عهد الفرعون العظيم خوفو».


فكرت سيلفيا للحظة. 

«خوفو؟»... كان الاسم مألوفاً جداً. وفجأة، طرقعت أصابعها.


«بالطبع! نحن نعرفه في بعض الكتب باسم (كيوبس)، لكنه خوفو! نحن في عام ٢٥٥٠ قبل الميلاد!».


أمالت نفرت رأسها باهتمام وقالت :

«لم أسمع بهذا الاسم (كيوبس) من قبل.. هنا ندعوه جميعاً خوفو.. إنه الفرعون الذي يبني منزله الأبدي».


أشارت إلى الهرم الضخم قيد البناء، ولمعت عيناها بالإثارة. 🏗️


شرحت قائلة :

«الأهرامات هي منزل الفرعون عندما يغادر هذا العالم.. روحه، عند مفارقة جسده الفاني، تحتاج إلى مكان خاص لرحلتها إلى العالم الآخر.. لهذا نضع في الداخل كل ما قد يحتاجه: طعام، ملابس، مجوهرات... وحتى تماثيل تمثل الخدم لمساعدته في الحياة الأخرى».


أومأت سيلفيا برأسها، مبهورة بما تسمع.


سألت كارولينا فجأة، متذكرة كتاباً عن الأساطير المصرية في منزلها :


«والآلهة؟ هل يعيشون أيضاً في تلك الأهرامات؟».


أطلقت نفرت ضحكة صغيرة. 😄


«ليس تماماً.. الآلهة موجودة في كل مكان.. في السماء، في النهر، في الجبال... لكن خوفو مميز. إنه ليس مجرد رجل، إنه الصورة الحية لحورس، الإله الصقر العظيم».


عقد كارلوس حاجبيه بفضول وسأل:

«هل تعنين أن خوفو إله؟».


أجابت نفرت وهي تحني رأسها :

«نعم ولا.. ليس إلهاً مثل (رع) الذي يضيء في السماء، ولا مثل (أوزيريس) الذي يحكم عالم الموتى.. لكن ما دام حياً، فهو الرابط بين الآلهة وبيننا.. إنه صوتهم على الأرض».


تساءلت سيلفيا :

«وعندما يموت؟».


همست نفرت بوقار :

«عندها سينضم إليهم.. سيصبح أوزيريس ويحكم العالم الآخر».


نظر أبناء العمومة إلى بعضهم البعض بذهول. ✨


من مخبئهم، أرتهم نفرت النشاط المذهل في موقع البناء.

رجال بجلود لوحتها الشمس يجرون الحجارة بحبال سميكة، بينما رؤساء العمال يصدرون الأوامر بصوت حازم. 


الكُتّاب يجلسون على الحصير ويسجلون كل التفاصيل على ورق البردي: المواد، وعدد العمال، وتقدم العمل.

وعلى مسافة أبعد، كان الحرفيون ينحتون النقوش على الكتل الحجرية، لضمان بقاء قصة الفرعون خالدة للأبد.


همس كارلوس :

«عدد العبيد مذهل...».


نظرت إليه نفرت باستغراب وقالت بحدة :

«عبيد؟ لا! كل هؤلاء الرجال الذين تراهم هنا هم عمال الفرعون.. نحن نعيش في قرى قريبة ونعمل بنظام المناوبات.. بفضل هذا العمل نحصل على الطعام والملابس والرعاية الطبية.. إنه شرف لنا أن نساعد العظيم خوفو».


فجأة، ارتفع صوت حاد في الهواء.

كان صراخاً طويلاً ورتيباً، يشبه نداء طائر عملاق. 

انتفض أبناء العمومة فزعاً. 🦅

ضحكت نفرت قائلة :

«إنه مجرد كاتب! إنه يقرأ بصوت عالٍ حسابات البناء».


قال كارلوس وهو يقلب عينيه، لكنه ظل منتبهاً :


«آه، حسناً! هذا يفسر كل شيء!».


أضافت الصغيرة نفرت حين فهمت السخرية في صوت الفتى :

«بدون الكُتّاب، لن يعرف أحد عدد الحجارة المستخدمة ولا مدى تقدم العمل».


نظرت نفرت إلى السماء ووقفت بسرعة.


قالت :

«يجب أن أذهب.. أمي تنتظرني...».

ولكن قبل أن تغادر، ابتسمت لهم ابتسامة غامضة وأضافت :

«أحياناً، القصص التي ترويها لنا أمهاتنا تكون حقيقية».


ودون مزيد من التفسيرات، وضعت في يد سيلفيا جعراناً صغيراً مصنوعاً من حجر اللازورد الأزرق.

همست قائلة :

«لكي تتذكروا رحلتكم»

ثم اختفت راكضة وسط الحشود. 🏺


عندما حل الليل، احتمى أبناء العمومة بين الصخور، متعانقين طلباً للدفء.

كان ظلام الصحراء يلفهم، وصوت الرياح وهي تصفر بين الكثبان الرملية يثير الرعب في نفوسهم.


كان التعب يثقل أجسادهم، لكن الخوف منعهم من النوم. 

ماذا لو علقوا في زمن آخر إلى الأبد؟ ماذا لو لم يعثر عليهم أحد؟ كانوا يسمعون من بعيد صدى الأدوات وهي تضرب الحجر وأصوات العمال الذين يواصلون العمل حتى في الليل.

كل ظل يتحرك حولهم كان يجعلهم يحبسون أنفاسهم.


تكوّرت كارولينا بين أخويها وهمست :

«ماذا لو لم نعد إلى المنزل أبداً؟».


لم يجب أحد.

كان الصمت أكثر رعباً من أي كلمة. 

اجتاحهم الخوف والشك. 

كانت الرمال تصر تحت أجسادهم، والصوت البعيد للعمل الليلي في الهرم يبقيهم في حالة تأهب.

وبالكاد استطاعوا النوم. 🌙


في صباح اليوم التالي، استيقظت كارولينا بفكرة مفاجئة.


قالت :

«يجب أن نجد منحدراً وننزل بالدراجات بأقصى سرعة».


لم يكن لدى أبناء العمومة خيار أفضل.

ركبوا دراجاتهم، ووجدوا منحدراً رملياً، ثم اندفعوا بقوة نحو الأسفل.

عادت نفس الدوامة الهوائية لتحيط بهم، وفجأة، وجدوا أنفسهم مرة أخرى في الغابة، تماماً حيث بدأوا.


دون إضاعة للوقت، ركضوا عائدين إلى المنزل.

وضعوا الدراجات في الكوخ، وهي لا تزال مغطاة بالغبار والطين، وأغلقوا على أنفسهم داخل المنزل في الوقت المناسب تماماً.


قبيل الظهر، عاد الجد، ومرت فترة بعد الظهر بشكل طبيعي قدر الإمكان، مع الأخذ في الاعتبار أن أبناء العمومة الأربعة كانوا منهكين وما زالوا يستوعبون المغامرة التي عاشوها للتو.


بعد العشاء، ذهب الجد إلى الكوخ كعادته كل ليلة.

وعندما رأى الدراجات المتسخة، ابتسم ابتسامة العارف بالأمر.

تفحص سلة الدراجة الكبيرة وأخرج منها الجعران الصغير المصنوع من اللازورد.

بعناية، فتح صندوقاً مخفياً في أحد الزوايا.

كان بداخله كنوز صغيرة أخرى من عصور مختلفة : 

عملات قديمة، أحجار منحوتة، شارات لممالك منسية، وحتى جعارين صغيرة أخرى.


بابتسامة ماكرة، وضع التميمة الصغيرة مع البقية، وأغلق الصندوق، ثم عاد إلى المنزل ليعلق المفتاح مكانه مرة أخرى.


من يدري، ربما سيعيش أحفاده مغامرات كثيرة أخرى هذا الصيف. 🔑✨




العبرة :

تُذَكِّرُنَا هٰذِهِ القِصَّةُ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ التَّارِيخِ وَالحَضَارَاتِ أَمْرٌ قَيِّمٌ، لَكِنَّ الإِنْسَانَ يَبْقَى بَاحِثًا عَنِ الحَقِّ الكَامِلِ الَّذِي لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي اللهِ.

فَقَدْ رَأَى أَبْنَاءُ العَمُومَةِ كَيْفَ كَانَ المِصْرِيُّونَ القُدَمَاءُ يُؤْمِنُونَ بِعِدَّةِ آلِهَةٍ، وَيَبْنُونَ الأَهْرَامَ لِضَمَانِ الحَيَاةِ بَعْدَ المَوْتِ، أَمَّا نَحْنُ فَنُؤْمِنُ بِأَنَّ يَسُوعَ المَسِيحَ هُوَ الطَّرِيقُ وَالحَقُّ وَالحَيَاةُ (يُوحَنَّا ١٤: ٦)، وَأَنَّ الخَلَاصَ لَا يَأْتِي بِالأَبْنِيَةِ العَظِيمَةِ أَوِ الكُنُوزِ الأَرْضِيَّةِ، بَلْ بِالإِيمَانِ بِهِ.


وَتُعَلِّمُنَا القِصَّةُ أَيْضًا أَلَّا نَنْدَفِعَ وَرَاءَ الفُضُولِ بِدُونِ حِكْمَةٍ، فَكَسْرُ وَصِيَّةِ الجَدِّ أَدْخَلَ الأَوْلَادَ فِي مَغَامَرَةٍ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ عَوَاقِبَهَا.


وَهٰذَا يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ طَاعَةَ الوَالِدَيْنِ وَمَنْ أَوْكَلَهُمُ اللهُ لِرِعَايَتِنَا هِيَ طَرِيقُ الأَمَانِ وَالبَرَكَةِ.


وَمَعَ ذٰلِكَ، فَقَدْ حَفِظَهُمُ اللهُ وَأَعَادَهُمْ سَالِمِينَ، لِيَتَعَلَّمُوا دَرْسًا لَنْ يَنْسَوْهُ: أَنَّ أَعْظَمَ كَنْزٍ لَيْسَ جُعْرَانًا أَثَرِيًّا وَلَا كُنُوزًا مَخْفِيَّةً، بَلْ الإِيمَانُ بِالمَسِيحِ، وَالحِكْمَةُ، وَالثِّقَةُ بِعِنَايَةِ اللهِ.


«لِأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ العَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟» (مَرْقُس ٨: ٣٦).


فَلْنَطْلُبْ دَائِمًا أَنْ يَقُودَنَا الرَّبُّ يَسُوعُ إِلَى الحَقِّ، وَأَنْ يَمْلَأَ قُلُوبَنَا بِالحِكْمَةِ، لِنُفَرِّقَ بَيْنَ مَا يُبْهِرُ العَيْنَ وَمَا يُخَلِّصُ النَّفْسَ.


 فريق عمل موقع المحبّة ©

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.