كَانَتْ سَلْمَى طِفْلَةً مُحِبَّةً لِلْخَيَالِ وَاللَّعِبِ.
فِي يَوْمٍ جَمِيلٍ، كَانَتْ تَلْعَبُ فِي الحَدِيقَةِ العَامَّةِ، تَدْفَعُ شَاحِنَتَهَا الصَّغِيرَةَ فَوْقَ الرَّمْلِ الرَّطْبِ، حَتَّى لَمَحَتْ شَيْئًا يَلْمَعُ بَيْنَ أَوْرَاقِ الشَّجَرِ المُتَسَاقِطَةِ.
اِنْحَنَتْ سَلْمَى بِفُضُولٍ، فَإِذَا بِهَا تَجِدُ زَوْجًا مِنَ الأَحْذِيَةِ الصَّغِيرَةِ جِدًّا، بِحَجْمِ أَحْذِيَةِ دُمَاهَا. كَانَ جَمِيلًا جِدًّا، وَمَصْنُوعًا بِدِقَّةٍ عَجِيبَةٍ.
نَظَرَتْ حَوْلَهَا، وَلَمْ تَرَ أَحَدًا.
فَكَّرَتْ: لِمَنْ يَكُونُ هَذَا الحِذَاءُ؟ هَلْ أَضَاعَهُ أَحَدٌ؟ أَمْ هُوَ لِدُمْيَةٍ صَغِيرَةٍ؟
أَخَذَتْهُ سَلْمَى وَوَضَعَتْهُ فِي جَيْبِهَا، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا.
فِي غُرْفَتِهَا، وَهِيَ تُرَتِّبُ دُمَاهَا، تَذَكَّرَتِ الحِذَاءَ الصَّغِيرَ. فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا:
«سَيَكُونُ جَمِيلًا لِإِحْدَى دُمَايَ».
أَلْبَسَتْهُ لِدُمْيَةٍ بِفُسْتَانٍ أَصْفَرَ، وَفَجْأَةً تَغَيَّرَ لَوْنُ الدُّمْيَةِ إِلَى البَنَفْسَجِيِّ اللَّامِعِ!
دُهِشَتْ سَلْمَى، وَعِنْدَمَا أَزَالَتِ الحِذَاءَ عَادَتِ الدُّمْيَةُ كَمَا كَانَتْ.
جَرَّبَتِ الحِذَاءَ عَلَى دُمًى أُخْرَى، فَإِذَا بِبَعْضِهَا يَتَحَرَّكُ، وَبَعْضِهَا يَقْفِزُ، وَوَاحِدَةٌ مِنْهَا بَدَأَتْ تَطْفُو فِي هَوَاءِ الغُرْفَةِ!
فَرِحَتْ سَلْمَى كَثِيرًا، وَظَلَّتْ تَلْعَبُ بِالحِذَاءِ السِّحْرِيِّ طَوَالَ اليَوْمِ.
لَكِنْ فِي اللَّيْلِ، وَهِيَ تَسْتَعِدُّ لِلنَّوْمِ، شَعَرَتْ بِشَيْءٍ غَرِيبٍ فِي قَلْبِهَا. تَذَكَّرَتْ أَنَّ هَذَا الحِذَاءَ لَيْسَ لَهَا، وَأَنَّ صَاحِبَهُ رُبَّمَا يَبْحَثُ عَنْهُ.
فِي اليَوْمِ التَّالِي، عَادَتْ إِلَى الحَدِيقَةِ، وَهُنَاكَ رَأَتْ مَخْلُوقَةً صَغِيرَةً جِدًّا تَمْشِي بَيْنَ الأَوْرَاقِ. كَانَتْ جِنِّيَّةً صَغِيرَةً، حَافِيَةَ القَدَمَيْنِ، وَتَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ مَا.
قَالَتِ الجِنِّيَّةُ بِحُزْنٍ :
«أَبْحَثُ عَنْ حِذَائِي. أَضَعْتُهُ هُنَا أَمْسِ، وَأَصْبَحَتْ قَدَمَايَ تُؤْلِمَانِنِي مِنَ المَشْيِ دُونَهُ».
شَعَرَتْ سَلْمَى بِالخَجَلِ، فَهِيَ تَعْرِفُ أَنَّ الحِذَاءَ مَعَهَا. لَكِنَّهَا خَافَتْ أَنْ تُعِيدَهُ وَتَفْقِدَ اللَّعِبَ بِهِ.
قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ :
«لَا... لَمْ أَرَهُ».
ثُمَّ عَادَتْ إِلَى المَنْزِلِ، وَلَكِنَّ فَرَحَهَا بِالحِذَاءِ لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ. فَكُلَّمَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ تَذَكَّرَتْ الجِنِّيَّةَ الحَزِينَةَ وَقَدَمَيْهَا الحَافِيَتَيْنِ.
فِي اليَوْمِ التَّالِي، قَرَّرَتْ سَلْمَى أَنْ تَفْعَلَ الصَّوَابَ.
أَخَذَتِ الحِذَاءَ وَذَهَبَتْ إِلَى الحَدِيقَةِ، وَتَرَكَتْ رِسَالَةً قَرِيبًا مِنَ المَكَانِ الَّذِي وَجَدَتْهُ فِيهِ:
«أَنَا آسِفَةٌ. كَانَ الحِذَاءُ مَعِي، وَلَكِنَّهُ لَكِ. أَعِيدُهُ إِلَيْكِ».
فِي المَسَاءِ، ظَهَرَتِ الجِنِّيَّةُ عِنْدَ نَافِذَةِ سَلْمَى. كَانَتْ قَلِقَةً، لَكِنَّهَا فَرِحَتْ عِنْدَمَا رَأَتِ الحِذَاءَ.
قَالَتْ سَلْمَى :
«أَنَا آسِفَةٌ. أَحْبَبْتُهُ كَثِيرًا، وَلَكِنِّي أَدْرَكْتُ أَنَّ مَا لَيْسَ لِي لَا يَجِبُ أَنْ آخُذَهُ».
اِبْتَسَمَتِ الجِنِّيَّةُ وَقَالَتْ :
«أَجْمَلُ سِحْرٍ لَيْسَ فِي الحِذَاءِ، بَلْ فِي قَلْبٍ يَعْرِفُ الحَقَّ وَيَفْعَلُ الخَيْرَ».
ثُمَّ لَعِبَتْ مَعَ سَلْمَى بِسِحْرِهَا الخَاصِّ، فَتَحَرَّكَتِ الدُّمَى وَامْتَلَأَتِ الغُرْفَةُ بِالفَرَحِ وَالنُّورِ.
وَمِنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، أَصْبَحَتْ سَلْمَى وَالجِنِّيَّةُ صَدِيقَتَيْنِ، وَتَعَلَّمَتْ سَلْمَى دَرْسًا لَا يُنْسَى:
العبرة :
أَنَّ اللهَ يَرَى القُلُوبَ، وَأَنَّ الأَمَانَةَ أَجْمَلُ مِنْ أَيِّ كَنْزٍ، وَأَنَّ مَنْ يَخْتَارُ الحَقَّ وَالمَحَبَّةَ يَمْلَأُ اللهُ قَلْبَهُ فَرَحًا وَسَلَامًا.
«مَنْ كَانَ أَمِينًا فِي القَلِيلِ فَهُوَ أَمِينٌ أَيْضًا فِي الكَثِيرِ» (لوقا ١٦: ١٠).
فريق عمل موقع المحبّة ©