فِي مَمْلَكَةٍ جَمِيلَةٍ، تَزْدَهِرُ بِالأَزْهَارِ المُلَوَّنَةِ وَالأَشْجَارِ الشَّامِخَةِ، كَانَتْ تَعِيشُ فَتَاةٌ صَغِيرَةٌ اسْمُهَا جُويا.
كَانَتْ تَمْلِكُ قَلْبًا مُمْتَلِئًا بِالمَحَبَّةِ، وَتُحِبُّ الرَّبَّ يَسُوعَ مِنْ كُلِّ قَلْبِهَا، فَتُسَاعِدُ كُلَّ مَنْ يَحْتَاجُ، وَتَبْتَسِمُ لِلْجَمِيعِ.
وَكَانَتْ قُرْبَ المَمْلَكَةِ بُحَيْرَةٌ عَجِيبَةٌ تُسَمَّى بُحَيْرَةَ السَّلَامِ.
وَكَانَ مَاؤُهَا صَافِيًا، وَتُغَرِّدُ الطُّيُورُ عَلَى ضِفَّتَيْهَا، وَيَشْعُرُ كُلُّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهَا بِرَاحَةٍ وَسَكِينَةٍ.
وَفِي صَبَاحِ يَوْمٍ، لَاحَظَ أَهْلُ المَمْلَكَةِ أَنَّ مِيَاهَ البُحَيْرَةِ أَصْبَحَتْ عَاكِرَةً، وَاخْتَفَى هُدُوءُ المَكَانِ، وَتَوَقَّفَتِ العَصَافِيرُ عَنِ الغِنَاءِ.
تَعَجَّبَ الجَمِيعُ، وَقَالُوا :
«مَاذَا حَدَثَ لِبُحَيْرَةِ السَّلَامِ؟»
تَقَدَّمَتْ جُويا وَقَالَتْ بِإِيمَانٍ :
«لَا يَزَالُ الرَّبُّ يَسُوعُ مَعَنَا، وَسَيُرِينَا كَيْفَ يَعُودُ السَّلَامُ.»
فَحَمَلَتْ حَقِيبَتَهَا الصَّغِيرَةَ، وَانْطَلَقَتْ فِي رِحْلَةٍ مُمْتِعَةٍ، دُونَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللهَ قَدْ أَعَدَّ لَهَا دَرْسًا جَمِيلًا، سَيُغَيِّرُ قَلْبَهَا وَقُلُوبَ جَمِيعِ سُكَّانِ المَمْلَكَةِ...
سَارَتْ جُويا فِي طَرِيقٍ تُظَلِّلُهُ الأَشْجَارُ، وَكَانَتْ تُرَدِّدُ فِي قَلْبِهَا :
«يَا رَبَّ يَسُوعَ، أَرْشِدْ خُطَوَاتِي، وَاجْعَلْنِي أَصْنَعُ مَا يُرْضِيكَ.»
وَبَيْنَمَا هِيَ تَسِيرُ، رَأَتْ طِفْلَيْنِ يَتَشَاجَرَانِ عَلَى لُعْبَةٍ صَغِيرَةٍ.
فَاقْتَرَبَتْ مِنْهُمَا بِهُدُوءٍ، وَقَالَتْ :
«لَوْ تَقَاسَمْتُمَا اللُّعْبَةَ بِمَحَبَّةٍ، لَفَرِحْتُمَا أَكْثَرَ.»
نَظَرَ الطِّفْلَانِ إِلَى بَعْضِهِمَا، ثُمَّ تَبَاسَمَا وَتَصَافَحَا.
وَفِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا، لَمَعَتْ زَهْرَةٌ بَيْضَاءُ عَلَى ضِفَّةِ البُحَيْرَةِ.
تَعَجَّبَتْ جُويا وَقَالَتْ :
«يَبْدُو أَنَّ كُلَّ عَمَلِ مَحَبَّةٍ يُعِيدُ شَيْئًا مِنْ جَمَالِ البُحَيْرَةِ.»
وَتَابَعَتْ سَيْرَهَا، فَرَأَتْ رَجُلًا مُسِنًّا يُحَاوِلُ أَنْ يَجْمَعَ حُزَمَ الحَطَبِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُتْعَبًا.
فَأَسْرَعَتْ إِلَيْهِ، وَحَمَلَتْ مَعَهُ الحَطَبَ حَتَّى بَابِ بَيْتِهِ.
إبْتَسَمَ الرَّجُلُ وَقَالَ :
«بَارَكَكَ اللهُ يَا ابْنَتِي، فَقَدْ أَدْخَلْتِ السَّلَامَ إِلَى قَلْبِي.»
وَمَا إِنْ أَكْمَلَ كَلَامَهُ، حَتَّى صَارَ مَاءُ البُحَيْرَةِ أَكْثَرَ صَفَاءً، وَعَادَتْ بَعْضُ العَصَافِيرِ تُغَرِّدُ فَوْقَهَا.
وَعِنْدَمَا وَصَلَتْ جُويا إِلَى وَسَطِ البُحَيْرَةِ، وَجَدَتْ لَوْحًا حَجَرِيًّا قَدِيمًا كُتِبَ عَلَيْهِ :
«لَا يَبْقَى السَّلَامُ فِي هَذِهِ البُحَيْرَةِ، إِلَّا إِذَا سَكَنَ أَوَّلًا فِي قُلُوبِ النَّاسِ.»
فَفَهِمَتْ جُويا أَنَّ البُحَيْرَةَ لَمْ تَفْقِدْ جَمَالَهَا بِسَبَبِ شَيْءٍ فِي المَاءِ، بَلْ لِأَنَّ كَثِيرِينَ نَسُوا المَحَبَّةَ، وَالغُفْرَانَ، وَاللُّطْفَ.
فَرَكَعَتْ جُويا، وَرَفَعَتْ عَيْنَيْهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَالَتْ :
«يَا رَبَّ يَسُوعَ، أَنْتَ مَلِكُ السَّلَامِ. امْلَأْ قُلُوبَنَا بِحُضُورِكَ، وَعَلِّمْنَا أَنْ نُحِبَّ كَمَا أَحْبَبْتَنَا، وَأَنْ نَغْفِرَ كَمَا غَفَرْتَ لَنَا.»
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَشْرَقَ نُورٌ جَمِيلٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَعَادَتْ بُحَيْرَةُ السَّلَامِ صَافِيَةً كَمَا كَانَتْ، وَامْتَلَأَتْ بِالطُّيُورِ وَالأَزْهَارِ، وَعَمَّ الفَرَحُ جَمِيعَ أَرْجَاءِ المَمْلَكَةِ.
وَمِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، صَارَ أَهْلُ المَمْلَكَةِ يَتَذَكَّرُونَ أَنَّ السَّلَامَ الحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ مِنْ قَلْبٍ يُحِبُّ اللهَ وَيُحِبُّ النَّاسَ.
العِبْرَة :
قَالَ الرَّبُّ يَسُوعُ :
«طُوبَى لِصَانِعِي السَّلَامِ، لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ يُدْعَوْنَ.» (متى ٥: ٩)
فَعِنْدَمَا نَغْفِرُ، وَنُحِبُّ، وَنَصْنَعُ الخَيْرَ، يَزْرَعُ الرَّبُّ يَسُوعُ سَلَامَهُ فِي قُلُوبِنَا، وَنُصْبِحُ شُهُودًا لِمَحَبَّتِهِ فِي العَالَمِ.
فريق عمل موقع المحبّة ©