فِي يَوْمٍ هَادِئٍ، جَلَسَتْ سَمَرْ، وَهِيَ فَتَاةٌ فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهَا، عَلَى جُرْفٍ صَخْرِيٍّ يُطِلُّ عَلَى الوَادِي.
كَانَتْ تُفَكِّرُ بِكَثِيرٍ مِنَ الأَسْئِلَةِ الَّتِي تَمْلأُ قَلْبَهَا.
كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهَا دَائِمًا :
— مَاذَا تُرِيدِينَ أَنْ تُصْبِحِي عِنْدَمَا تَكْبَرِينَ؟
فَكَانَتْ تَشْعُرُ بِالحَيْرَةِ، لأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ الجَوَابَ.
رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، وَرَأَتْ نَسْرًا كَبِيرًا يُحَلِّقُ فَوْقَ الجِبَالِ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ تُرَاقِبُهُ، شَعَرَتْ وَكَأَنَّهُ يَقْتَرِبُ مِنْهَا.
فَقَالَ النَّسْرُ :
— لِمَاذَا تَبْدِينَ حَزِينَةً يَا سَمَرْ؟
تَعَجَّبَتِ الفَتَاةُ وَقَالَتْ :
— لأَنَّنِي لا أَعْرِفُ مَاذَا سَيَكُونُ مُسْتَقْبَلِي.. كُلُّ النَّاسِ يَنْتَظِرُونَ مِنِّي أَنْ أَعْرِفَ الجَوَابَ، وَلَكِنِّي لا أَعْرِفُهُ.
إبْتَسَمَ النَّسْرُ وَقَالَ :
— اُنْظُرِي إِلَى الأَرْضِ مِنْ هُنَا، مَاذَا تَرَيْنَ؟
قَالَتْ :
— أَرَى صُخُورًا وَأَشْجَارًا وَطُرُقًا صَغِيرَةً.
فَقَالَ :
— وَأَنَا، لأَنِّي أُحَلِّقُ عَالِيًا، أَرَى الصُّورَةَ كُلَّهَا.. أَرَى الوَادِي وَالجِبَالَ وَالطُّرُقَ الَّتِي لا تَرَيْنَهَا.
سَكَتَ قَلِيلًا ثُمَّ أَضَافَ :
— أَحْيَانًا نَكُونُ قَرِيبِينَ جِدًّا مِنْ مُشْكِلَاتِنَا، فَلا نَرَى إِلَّا الحَيْرَةَ.. لَكِنْ عِنْدَمَا نَنْظُرُ بِعَيْنَيِ الإِيمَانِ، نَكْتَشِفُ أَنَّ اللهَ يَرَى الطَّرِيقَ بِأَكْمَلِهِ.
سَأَلَتْهُ سَمَرْ :
— وَهَلْ يَجِبُ أَنْ أَعْرِفَ مُسْتَقْبَلِي كُلَّهُ مِنَ الآنَ؟
ضَحِكَ النَّسْرُ وَقَالَ :
— لا، يَا صَدِيقَتِي. حَتَّى الرِّحْلَةُ الطَّوِيلَةُ تَبْدَأُ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ.. اللهُ لا يَطْلُبُ مِنْكِ أَنْ تَعْرِفِي كُلَّ شَيْءٍ، بَلْ أَنْ تَثِقِي بِهِ وَتَتَقَدَّمِي.
ثُمَّ تَذَكَّرَتْ سَمَرْ كَلِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوع :
«لا تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ.»
فَشَعَرَتْ بِسَلاَمٍ كَبِيرٍ يَمْلأُ قَلْبَهَا.
وَقَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ النَّسْرُ فِي السَّمَاءِ، قَالَ لَهَا :
— جَرِّبِي، تَعَلَّمِي، وَاصْنَعِي الخَيْرَ، وَدَعِي اللهَ يَقُودُ خُطَاكِ.. فَالطَّرِيقُ يَتَّضِحُ أَثْنَاءَ السَّيْرِ فِيهِ.
إبْتَسَمَتْ سَمَرْ، وَرَفَعَتْ عَيْنَيْهَا نَحْوَ السَّمَاءِ.
أَمَّا النَّسْرُ فَحَلَّقَ عَالِيًا بَيْنَ الغُيُومِ، وَبَقِيَتْ كَلِمَاتُهُ تَرِنُّ فِي قَلْبِهَا كَرَسَالَةِ رَجَاءٍ مِنَ اللهِ.
العِبْرَة :
إِنَّ اللهَ يَعْرِفُ مُسْتَقْبَلَنَا أَكْثَرَ مِمَّا نَعْرِفُهُ نَحْنُ.
فَلَا يَجِبُ أَنْ نَخَافَ مِنَ الغَدِ، بَلْ أَنْ نَثِقَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ وَنَسِيرَ وَرَاءَهُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، لأَنَّهُ يَقُودُ أَوْلادَهُ فِي الطَّرِيقِ الصَّحِيحِ.
فريق عمل موقع المحبّة ©