فِي أَرْضٍ جَمِيلَةٍ تَجْرِي فِيهَا الأَنْهَارُ الصَّافِيَةُ وَتُحَلِّقُ فِي سَمَائِهَا الخُيُولُ المُجَنَّحَةُ، وُلِدَ فَرَسُ نَهْرٍ صَغِيرٌ اسْمُهُ تْشِيبُو.
كَانَ تْشِيبُو مُخْتَلِفًا عَنِ الجَمِيعِ، فَقَدْ مَنَحَهُ اللهُ جَنَاحَيْنِ كَبِيرَيْنِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ الطَّيَرَانَ بِسُهُولَةٍ مِثْلَ الخُيُولِ الأُخْرَى.
وَكَثِيرًا مَا كَانَ الأَطْفَالُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِتَعَجُّبٍ، أَمَّا الحِصَانُ المُجَنَّحُ رَايَان فَكَانَ يَسْخَرُ مِنْهُ دَائِمًا.
فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، صَاحَ رَايَانُ أَمَامَ الجَمِيع :
— أَنْظُرُوا! فَرَسُ نَهْرٍ يَحْمِلُ أَجْنِحَةً! مَا الفَائِدَةُ مِنْهَا إِذَا كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الطَّيَرَانَ؟
فَضَحِكَ بَعْضُ الصِّغَارِ.
شَعَرَ تْشِيبُو بِالحُزْنِ، وَانْسَحَبَ وَحْدَهُ إِلَى ضِفَّةِ النَّهْرِ.
جَلَسَ هُنَاكَ وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي المِيَاهِ.
وَبَيْنَمَا كَانَ حَزِينًا، اقْتَرَبَ مِنْهُ جَدُّهُ العَجُوزُ.
قَالَ الجَدُّ بِحَنَانٍ :
— لِمَاذَا أَنْتَ حَزِينٌ يَا تْشِيبُو؟
أَجَابَ الصَّغِير :
— لِأَنِّي مُخْتَلِفٌ عَنِ الجَمِيعِ. أَتَمَنَّى لَوْ كُنْتُ حِصَانًا مُجَنَّحًا مِثْلَهُمْ.
ابْتَسَمَ الجَدُّ وَقَالَ:
— يَا بُنَيَّ، اللهُ لَا يَخْلُقُ أَحَدًا بِالصُّدْفَةِ.. تَذَكَّرْ أَنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ قَالَ: «أَنْتُمْ نُورُ العَالَمِ».
كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا لَهُ دَوْرٌ خَاصٌّ وَهَدِيَّةٌ خَاصَّةٌ.
لَمْ يَفْهَمْ تْشِيبُو الكَلَامَ كُلَّهُ، لَكِنَّهُ احْتَفَظَ بِهِ فِي قَلْبِهِ.
وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، هَبَّتْ عَاصِفَةٌ عَنِيفَةٌ.
امْتَلَأَتِ السَّمَاءُ بِالغُيُومِ السَّوْدَاءِ، وَاشْتَدَّتِ الرِّيَاحُ.
كَانَ رَايَانُ يُحَلِّقُ قُرْبَ جُرْفٍ عَالٍ، فَفَقَدَ تَوَازُنَهُ.
صَرَخَ بِخَوْف :
— النَّجْدَةَ! سَأَسْقُطُ!
حَاوَلَتِ الخُيُولُ المُجَنَّحَةُ الاقْتِرَابَ مِنْهُ، لَكِنَّ الرِّيَاحَ كَانَتْ أَقْوَى مِنْهَا.
عِنْدَهَا رَكَضَ تْشِيبُو بِكُلِّ قُوَّتِهِ.
وَصَلَ إِلَى حَافَّةِ الجُرْفِ وَصَاحَ :
— تَمَسَّكْ بِي يَا رَايَان!
أَمْسَكَ رَايَانُ بِهِ، وَبِفَضْلِ جِسْمِ تْشِيبُو القَوِيِّ لَمْ تَسْتَطِعِ الرِّيَاحُ أَنْ تُحَرِّكَهُ.
وَبَعْدَ جُهْدٍ كَبِيرٍ، أَنْقَذَهُ مِنَ السُّقُوطِ.
بَعْدَ أَنْ هَدَأَتِ العَاصِفَةُ، اقْتَرَبَ رَايَانُ وَعَيْنَاهُ مُمْتَلِئَتَانِ بِالدُّمُوعِ.
قَالَ بِخَجَلٍ :
— أَنَا آسِفٌ يَا تْشِيبُو.. لَقَدْ سَخِرْتُ مِنْكَ كَثِيرًا.
أَجَابَ تْشِيبُو بِابْتِسَامَة :
— أَنَا أُسَامِحُكَ.
تَعَجَّبَ رَايَانُ وَسَأَلَ :
— بَعْدَ كُلِّ مَا فَعَلْتُهُ؟
فَقَالَ تْشِيبُو :
— يَسُوعُ يُعَلِّمُنَا أَنْ نُحِبَّ وَنُسَامِحَ.. لَوْ لَمْ يُسَامِحْنَا اللهُ، فَكَيْفَ نُسَامِحُ نَحْنُ الآخَرِينَ؟
شَعَرَ رَايَانُ بِالفَرَحِ وَقَالَ :
— هَلْ تَقْبَلُ أَنْ نَكُونَ صَدِيقَيْنِ؟
فَضَحِكَ تْشِيبُو وَقَالَ :
— بِكُلِّ سُرُورٍ!
وَمِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ أَصْبَحَا أَفْضَلَ صَدِيقَيْنِ.
وَتَعَلَّمَ الجَمِيعُ أَنَّ الاِخْتِلَافَ لَيْسَ عَيْبًا، بَلْ عَطِيَّةٌ مِنَ اللهِ، وَأَنَّ المَحَبَّةَ أَقْوَى مِنَ السُّخْرِيَةِ، وَأَنَّ التَّسَامُحَ يَصْنَعُ مُعْجِزَاتٍ فِي القُلُوبِ.
العِبْرَة :
اللهُ خَلَقَ كُلَّ إِنْسَانٍ بِطَرِيقَةٍ فَرِيدَةٍ وَجَمِيلَةٍ، فَلَا يَجِبُ أَنْ نَسْخَرَ مِنْ أَحَدٍ لِأَنَّهُ مُخْتَلِفٌ.
وَكَمَا سَامَحَ يَسُوعُ النَّاسَ وَأَحَبَّهُمْ، هَكَذَا نَحْنُ أَيْضًا مَدْعُوُّونَ لِنُحِبَّ وَنُسَامِحَ وَنُسَاعِدَ الآخَرِينَ.
فريق عمل موقع المحبّة ©