قصة للتغلب على المخاوفذبابة مدينة صغيرة تجرفها عاصفة خريفية بعيداً عن شوارعها المألوفة، لتكتشف عالماً من المفاجآت في مخزن حبوب ريفي.
كانت تالة ذبابة مدينة بامتياز.
كانت تعرف كل صندوق قمامة في زقاقها المزدحم، وتجيد تفادي ضربات مكنسة الخباز بمهارة فائقة ودون أن تنظر حتى.
لكنها لم تختبر قط عاصفة خريفية حقيقية.
هبت الرياح فجأة، تزمجر بين المباني العالية.
فووووش.
دفعتها ضربة هواء عاتية واقتلعتها من جدارها المفضل وكأنها ورقة شجر يابسة.
حاولت الحفاظ على توازنها بضرب جناحيها بكل ما أوتيت من قوة، لكن العاصفة جرفتها بعيداً جداً عن المدينة.
دارت وطارت فوق أسطح المنازل، والطرقات، وحقول شاسعة لم ترها من قبل.
وعندما هدأت الرياح أخيراً، سقطت تالة متدحرجة حتى هبطت على لوح خشبي قديم.
بقيت هناك لثوانٍ، تشعر بالدوار والتعب، محاولة فهم أين هي.
فركت عينيها بأرجلها الأمامية ونظرت حولها.
لم يكن هذا المكان يشبه الشوارع الصاخبة التي ألفتها.
كان مخزن حبوب ضخماً، مليئاً بأكوام القش، والعوارض الخشبية، والزوايا المظلمة حيث كان كل شيء يِئط بهدوء.
افتقدت تالة رائحة المدينة المألوفة، لكن هذا المكان كان له طابع خاص أيضاً: كانت تفوح منه رائحة الخشب العتيق، والقمح الجاف، والمطر الذي هطل للتو.
قررت الطيران نحو شق مضيء في السقف. كانت أجنحتها لا تزال تطن بتثاقل بعد تلك الرحلة الطويلة.
وفجأة، شعرت بشيء لزج يلتصق بإحدى أرجلها.
حاولت تخليص نفسها بحذر، لكن كلما جذبت رجلها، زاد تشابكها في الخيوط الشفافة لشبكة عنكبوت ضخمة.
شعرت بتوتر شديد عندما أطل عنكبوت نساج من إحدى زوايا السقف.
وفي تلك اللحظة، انطلق شيء صغير كالصاروخ من عارضة خشبية قريبة واصطدم بأحد الخيوط الرئيسية.
طَق!
اهتزت الشبكة، وبقيت تالة معلقة بخيط واحد فقط.
لم يكن ذلك الشيء حجراً.
كان فارس، وهو برغوث نشيط جداً هبط بجوارها بقفزة مذهلة.
ودون إضاعة أي وقت، دفع الذبابة بأرجله الخلفية حتى قطع آخر خيط لزج.
سقط الاثنان فوق أكياس القمح بينما بقي العنكبوت يتأرجح في الأعلى بملامح تملؤها الدهشة.
تنهدت تالة بارتياح، بينما نفض فارس الغبار عن نفسه بمظهر فخور.
من أعلى الأكياس، نزلت حينها سلمى.
كانت عثة ذات أجنحة ناعمة وباهتة، تمشي ببطء وتراقب كل شيء بهدوء شديد.
اقتربت من الضيفة الجديدة وحركت قرون استشعارها بفضول.
نظر فارس إلى تالة من الأعلى إلى الأسفل.
كانت الذبابة المسكينة تبدو فوضوية الجناحين، وتحمل بقايا من شبكة العنكبوت، وعلى وجهها علامات الحيرة التامة.
ولعل هذا هو السبب الذي جعل البرغوث والعثة يقرران مساعدتها. ففي مكان هادئ ومعزول مثل مخزن الحبوب هذا، كان يُرحب دائماً بأي صداقة جديدة.
كانت الأيام التالية مليئة بالاكتشافات.
تعلمت تالة بسرعة أن الحياة في الريف تختلف تماماً عن المدينة، وأن عليها هنا الانتباه لكل صوت وحركة.
علمها فارس كيف تتنقل بحذر بين العوارض الخشبية، وكيف تقوم بقفزات صغيرة قبل أن تحلق في الهواء.
في البداية، كانت تالة تصطدم بكل شيء وينتهي بها المطاف متدحرجة بين القش، مما كان يجعل فارس يضحك من قلبه.
أرتها أين تقع الزوايا الأكثر دفئاً في المخزن، وكيف تهتدي بنور القمر، وأين تجد فتات الطعام الصغير بعد أن يزور البشر المكان.
أحياناً، كانت تالة تقع في المتاعب مجدداً.
كما حدث في اليوم الذي اقتربت فيه، بدافع الفضول البحت، أكثر من اللازم من القط الكسول النائم في المخزن.
اضطر فارس حينها لتشتيت انتباهه بقفزة مرحة أمام أنفه لكي تتمكن الذبابة من الهرب.
جعل هذا الموقف تالة تدرك شيئاً مهماً: أصدقاؤها الجدد كانوا دائماً يعتنون بها.
شيئاً فشيئاً، بدأت تشعر بأنها أقل حماقة وأكثر ثقة.
تعلمت كيف تتفادى شباك العناكب دون خوف، وكيف تجد ملاجئ مريحة بين أكياس القمح، وكيف تستمتع بصوت المطر وهو يطرق على السقف.
لم يعد المخزن يبدو لها مكاناً غريباً.
بدأ يبدو وكأنه وطن.
في الخارج، كانت رياح الشتاء تهب كالهمس، تداعب الجدران الخشبية.
فووووش.
أما في الداخل، فكان كل شيء هادئاً.
كانت تالة تستريح متكورة بين كيسين من القمح، محتمية من البرد.
على أحد الجوانب، كان فارس يغط في نوم عميق متكوراً ككرة صغيرة، يحرك أرجله بين الحين والآخر وكأنه يواصل القفز في أحلامه.
وعلى الجانب الآخر، فردت سلمى أجنحتها الناعمة فوق أصدقائها، لتصنع لهم ملجأً دافئاً وهادئاً.
لقد ذكرتها بالمنزل.
أغمضت الذبابة الصغيرة عينيها ببطء وهي تستمع إلى الرياح في الخارج.
لم تعد تخشى العواصف بعد الآن.
العِبرَة :
قد يسمح الله أحيانًا بأن تهبَّ على حياتنا "عواصف" من التجارب أو التغييرات، فنشعر بالخوف ونظن أننا ابتعدنا عن الطريق.
لكن الرب لا يترك أبناءه، بل يهيئ لهم أشخاصًا يساندونهم، كما أرسل لتالة أصدقاء أنقذوها ورافقوها.
وهكذا يدعونا المسيح أيضًا إلى أن نكون عونًا لإخوتنا، نحمل عنهم أثقالهم ونُظهر لهم محبته.
وكما تحوَّل المكان الغريب إلى بيتٍ لتالة، كذلك يستطيع الله أن يحوِّل كل تجربة إلى بركة إذا وثقنا به وسلمنا حياتنا بين يديه.
قال الرب يسوع :
«لَا تَخَفْ، لأَنِّي مَعَكَ، لَا تَتَلَفَّتْ، لأَنِّي إِلَهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ.» (إشعياء ٤١: ١٠)
الصلاة :
«يَا رَبُّ، عَلِّمْنِي أَنْ أَثِقَ بِكَ فِي كُلِّ تَجْرِبَةٍ، وَأَنْ أَكُونَ أَدَاةَ مَحَبَّةٍ وَتَعْزِيَةٍ لِكُلِّ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيَّ.» آمــــــــــــين.
فريق عمل موقع المحبّة ©