23 Mar
23Mar

كانَ يا ما كان، في بَيروت، نَحّاتٌ مَشهورٌ اسْمُهُ رافي.

كانَ رافي يُحِبُّ الحِجارةَ، ويُحِبُّ أَن يُحوِّلَها إِلى أَعمالٍ جَميلَة.

وَفي يَومٍ مِن الأَيّام، قَرَّرَ أَن يَنحَتَ تِمثالًا لِامرأةٍ جَميلَة يُريدُ أَن يَعرِضَهُ في المَعرِضِ الكَبير.

جلسَ رافي أَيامًا طَويلَة يَنحِتُ الحَجَرَ الكَبِير.

كانَ يَطرُقُ بِمِطرَقَتِهِ ويَمسَحُ الغُبارَ عَن التِّمثال، وكانَ يَقولُ مُبتَسِمًا :

رافي : «هٰذا سَيَكونُ أَجمَلَ أَعمالِي! يَجِبُ أَن يُحِبَّهُ الجَميع.»

وفي يَومٍ مُظلِم… بَدَأَتِ الحَربُ في لُبنان.

سَمِعَ رافي صَوتَ إنفِجاراتٍ كَبيرة، وإهتزَّ بَيتُهُ.

ركَضَ إِلى مَشغَلِهِ لِيَطمَئِنَّ على تِمثالِهِ.

فَلَمّا وَصَل… رأى مَشهَدًا حَزينًا :

التِّمثالُ تَعرَّضَ لِشَظايا، وانكَسَرَ جانِبُ الوَجهِ، وتَشَوَّهَتِ المَلامِح.

جَلَس رافي على الأَرضِ وَقالَ بِحُزن :

رافي : «آه… كَيْفَ سَأُكمِلُهُ الآن؟ كُلُّ تَعَبي ضاع!»

وبَينَما كانَ يَنظُرُ إلى الحَجَرِ المَكسور، رَأى شَيئًا غَريبًا… إنكَسارُ الحَجَرِ جَعَلَ الوَجهَ يَظهَرُ خاشِعًا، والعَينان نازِلَتان كَأَنَّ صاحِبَتَهما تُصَلّي.

هُنا وَقَف رافي مُندهِشًا وقالَ :

رافي : «هٰذا… هٰذا يُشبِهُ وَجهَ مَرْيَم العذراء!»

فَأَحسَّ رافي بشَيءٍ دافِئٍ في قَلبِهِ، وقَال لنَفسِهِ :

«رُبَّما لَم أختَر أَنا التِّمثال… رُبَّما هُوَ إختارَني!»



مَشْهَدُ التَّحوِيل :

مُنذُ ذٰلِكَ اليَوم، بَدَأ رافي يَنحِتُ بِحُبٍّ كَبير.

أَزالَ المَلامِحَ البَشَرِيَّة، وأَضافَ خِمارًا ناعِمًا، ونَحتَ يَدَينِ مَمدودَتَين كَأَنَّهُما تَحمِلانِ السَّلامَ.

وبَعدَ أَسابيع، وَقَف رافي أَمامَ التِّمثالِ الجَديد وقال :

رافي (بِفَخر) :

«هٰذِهِ مَرْيَمُ العَذراء… سَيِّدَةُ السَّلام.

لِتَحمِ شَعبَنا في هٰذا الزَّمانِ الصَّعب.»



المَشهَدُ الكَبِير : رَفعُ التِّمثال

صَعِدوا بِالتِّمثالِ إِلى أحد مُرتَفَعات بَيروت.

وقف رافي والناسُ يَنظُرونَ بإِعجاب، والشَّمسُ تُضيءُ الوَجهَ كَأَنَّهُ يَبتَسِم.

امرأة مُسِنَّة :

«مُنذُ بَدَأتِ الحَربُ، نادِرًا ما صَلّى أَحَد… أَمّا الآن، فَسَنُصلّي هُنا كُلَّ يَوم.»

رَجُل :

«رُبَّما سَيُعطينا اللهُ السَّلام… رُبَّما كانَ هٰذا التِّمثالُ هَدِيَّةً لِبَيروت.»

وإجتَمَعَ الناسُ حَولَ التِّمثال، بِأَيدٍ مرفوعَة، وقُلوبٍ خاشِعَة.

أَطفال، شُيوخ، شَباب… كُلُّهُم يُصَلّون :

«يا مَرْيَم، اِحمِي بَيْروت! يا مَرْيَم، أَبعِدِي الحَرب!»

ومِن ذٰلِكَ اليَوم، عَادَتِ الصَّلاةُ تَنبُضُ في قُلوبِ النّاس، وإشتَعَلَ الرَّجاءُ بَعدَ أَن كانَ فاتِرًا.



العِبْرَة :

يا أَصدِقائي الصِّغار، أَحيانًا يَكسِرُنا العالَم، ولكنَّ اللهَ يَصنَعُ مِن كُسورِنا جَمالًا وجَديدًا.

وكَما صَنَعَ رافي مِن الحَجَرِ المَكسور تِمثالًا للعذراء، هَكذا يَصنَعُ اللهُ مِن قُلُوبِنا المَكسورَةقُلُوبًا تُضيءُ لِلآخَرين.


فريق عمل موقع المحبّة ©

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.