28 Jun
28Jun

فِي زَمَانٍ بَعِيدٍ، كَانَ هُنَاكَ مَلِكٌ عَظِيمٌ يَعِيشُ فِي قَصْرٍ جَمِيلٍ، تَمْلَؤُهُ الذَّهَبُ وَالأَحْجَارُ الكَرِيمَةُ. 


وَكَانَ يُحِبُّ كُلَّ مَا هُوَ جَمِيلٌ وَثَمِينٌ.


وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ، قَالَ أَحَدُ الخُدَّامِ:


— يَا مَوْلَايَ، هُنَاكَ عَنْدَلِيبٌ صَغِيرٌ يَعِيشُ فِي الغَابَةِ، وَصَوْتُهُ أَجْمَلُ مِنْ كُلِّ مَا سَمِعَهُ أَحَدٌ!


تَعَجَّبَ المَلِكُ وَقَالَ :


— أَحْضِرُوهُ إِلَيَّ حَالًا!


ذَهَبَ الخُدَّامُ إِلَى الغَابَةِ، فَوَجَدُوا العَنْدَلِيبَ يُغَرِّدُ بَيْنَ الأَشْجَارِ، وَكَأَنَّ الطَّبِيعَةَ كُلَّهَا تُرَدِّدُ مَعَهُ تَسَابِيحَ الخَالِقِ.


قَالَتْ طِفْلَةٌ كَانَتْ تَسْمَعُهُ :


— كُلَّمَا غَنَّى العَنْدَلِيبُ، أَشْعُرُ أَنَّ اللهَ قَرِيبٌ مِنِّي.


إبْتَسَمَ العَنْدَلِيبُ، وَذَهَبَ مَعَ الخُدَّامِ إِلَى القَصْرِ.


عِنْدَمَا غَنَّى أَمَامَ المَلِكِ، امْتَلَأَ القَصْرُ فَرَحًا، وَدَمَعَتْ عَيْنَا المَلِكِ.

فَقَالَ :

— مَا أَرْوَعَ هٰذَا الصَّوْتَ! لَمْ يَلْمِسْ قَلْبِي شَيْءٌ مِثْلَهُ مِنْ قَبْلُ.


وَبَقِيَ العَنْدَلِيبُ يُغَرِّدُ كُلَّ يَوْمٍ، فَكَانَ كُلُّ مَنْ يَسْمَعُهُ يَشْعُرُ بِالسَّلَامِ.

وَبَعْدَ مُدَّةٍ، وَصَلَتْ إِلَى القَصْرِ هَدِيَّةٌ غَرِيبَةٌ...

إِنَّهُ عَنْدَلِيبٌ آلِيٌّ، مُرَصَّعٌ بِالذَّهَبِ وَالأَلْمَاسِ، وَيُغَنِّي عِنْدَمَا يُدَارُ بِمِفْتَاحٍ.

صَاحَ الوُزَرَاءُ :

— إِنَّهُ أَجْمَلُ طَائِرٍ فِي العَالَمِ!

وَقَالَ آخَرُ :

— اُنْظُرُوا كَمْ هُوَ لَامِعٌ!

أَمَّا العَنْدَلِيبُ الحَقِيقِيُّ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ بِهُدُوءٍ، ثُمَّ فَتَحَ جَنَاحَيْهِ، وَعَادَ إِلَى غَابَتِهِ.


مَرَّتِ السِّنُونُ...

وَذَاتَ يَوْمٍ تَعَطَّلَ العَنْدَلِيبُ الآلِيُّ، وَلَمْ يَعُدْ يَغَنِّي.


وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، مَرِضَ المَلِكُ مَرَضًا شَدِيدًا، وَشَعَرَ بِوَحْدَةٍ كَبِيرَةٍ.


قَالَ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ:


— أَيْنَ ذَلِكَ العَنْدَلِيبُ الَّذِي كَانَ يُفْرِحُ قَلْبِي؟


وَكَأَنَّ العَنْدَلِيبَ سَمِعَ النِّدَاءَ...

فَجَاءَ مِنَ الغَابَةِ، وَوَقَفَ عَلَى نَافِذَةِ المَلِكِ، وَبَدَأَ يُغَرِّدُ مِنْ جَدِيدٍ.

إمْتَلَأَتِ الغُرْفَةُ بِالسَّلَامِ.

وَابْتَسَمَ المَلِكُ، وَشَعَرَ بِالرَّجَاءِ يَعُودُ إِلَى قَلْبِهِ.

قَالَ لِلعَنْدَلِيبِ :

— لَقَدْ غَفَرْتَ لِي، مَعَ أَنِّي نَسِيتُكَ.

فَكَأَنَّ العَنْدَلِيبَ يُجِيبُ بِتَغْرِيدِهِ:


— المَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَحْمِلُ حِقْدًا.


مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، تَعَلَّمَ المَلِكُ أَنَّ الأَشْيَاءَ الثَّمِينَةَ لَيْسَتْ دَائِمًا هِيَ الأَغْلَى، وَأَنَّ القَلْبَ المُحِبَّ أَجْمَلُ مِنْ كُلِّ الذَّهَبِ.


وَكَانَ كُلَّمَا سَمِعَ تَغْرِيدَ العَنْدَلِيبِ يَرْفَعُ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَيَقُولُ:


— شُكْرًا لَكَ يَا رَبُّ، لأَنَّكَ تُعَلِّمُنِي أَنْ أُحِبَّ الحَقِيقَةَ أَكْثَرَ مِنَ المَظَاهِرِ.




العِبْرَة :

يُعَلِّمُنَا الرَّبُّ يَسُوعُ أَلَّا نَنْخَدِعَ بِالمَظَاهِرِ، بَلْ أَنْ نُقَدِّرَ القَلْبَ المُحِبَّ وَالأَمَانَةَ وَالبَسَاطَةَ. 

فَالْمَحَبَّةُ الصَّادِقَةُ، مِثْلُ تَغْرِيدِ العَنْدَلِيبِ، تَبْقَى أَجْمَلَ مِنْ كُلِّ زِينَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ، لأَنَّ اللهَ يَنْظُرُ إِلَى القَلْبِ، لَا إِلَى المَنْظَرِ.


 فريق عمل موقع المحبّة ©

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.