فِي يَوْمٍ صَيْفِيٍّ دَافِئٍ، كَانَ ثَعْلَبٌ يُدْعَى فَرْحَان يَتَمَشَّى بَيْنَ أَشْجَارِ الغَابَةِ الخَضْرَاءِ.
كَانَتِ الشَّمْسُ مُشْرِقَةً، وَالعَصَافِيرُ تُغَرِّدُ بِفَرَحٍ، لَكِنَّ الثَّعْلَبَ كَانَ يَشْعُرُ بِالعَطَشِ وَالجُوعِ.
وَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي، رَفَعَ عَيْنَيْهِ فَرَأَى عُنْقُودَ عِنَبٍ كَبِيرًا يَتَدَلَّى مِنْ غُصْنٍ مُرْتَفِعٍ.
كَانَ العِنَبُ لَامِعًا كَأَنَّهُ حَبَّاتُ لُؤْلُؤٍ بَنَفْسَجِيَّةٌ.
تَوَقَّفَ الثَّعْلَبُ وَقَالَ بِفَرَحٍ :
— آه! مَا أَجْمَلَ هٰذَا العِنَبَ!
سَيُطْفِئُ عَطَشِي وَيَمْلَأُ بَطْنِي.
فِي أَعْلَى الشَّجَرَةِ، كَانَ عُصْفُورٌ صَغِيرٌ يُرَاقِبُهُ وَيَبْتَسِمُ.
قَالَ العُصْفُورُ :
— يَبْدُو أَنَّكَ وَجَدْتَ كَنْزًا يَا فَرْحَان!
فَأَجَابَ الثَّعْلَبُ بِثِقَةٍ :
— بِالتَّأْكِيدِ! سَأَحْصُلُ عَلَيْهِ فِي ثَوَانٍ.
تَرَاجَعَ خُطُوَاتٍ إِلَى الوَرَاءِ، ثُمَّ قَفَزَ بِقُوَّةٍ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى العُنْقُودِ.
سَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَهَزَّ رَأْسَهُ.
قَالَ العُصْفُورُ بِلُطْفٍ :
— لَا بَأْسَ، حَاوِلْ مَرَّةً أُخْرَى.
فَقَفَزَ الثَّعْلَبُ مَرَّةً ثَانِيَةً.
ثُمَّ مَرَّةً ثَالِثَةً.
ثُمَّ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً.
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ كَانَ يَقْتَرِبُ قَلِيلًا، لَكِنَّهُ لَا يَصِلُ.
بَعْدَ وَقْتٍ طَوِيلٍ، جَلَسَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَهُوَ يَلْهَثُ مِنَ التَّعَبِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، مَرَّتْ سُلَحْفَاةٌ حَكِيمَةٌ تُدْعَى سَلْمَى.
فَقَالَتْ :
— مَا الَّذِي يُتْعِبُكَ يَا فَرْحَان؟
أَشَارَ الثَّعْلَبُ إِلَى العُنْقُودِ وَقَالَ :
— أُرِيدُ ذٰلِكَ العِنَبَ، لَكِنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا.
فَابْتَسَمَتِ السُّلَحْفَاةُ وَقَالَتْ :
— أَحْيَانًا نَحْتَاجُ إِلَى المُثَابَرَةِ، وَأَحْيَانًا نَحْتَاجُ إِلَى طَلَبِ المُسَاعَدَةِ.
لَكِنَّ الثَّعْلَبَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْمَعَ.
وَقَفَ مُتَكَبِّرًا وَقَالَ :
— مَنْ قَالَ إِنِّي أُرِيدُهُ أَصْلًا؟
إِنَّهُ عِنَبٌ حَامِضٌ وَرَدِيءٌ!
لَا أُحِبُّهُ عَلَى الإِطْلَاقِ!
وَمَشَى مُبْتَعِدًا.
نَظَرَ العُصْفُورُ إِلَى السُّلَحْفَاةِ وَقَالَ :
— لٰكِنَّهُ كَانَ يُرِيدُهُ قَبْلَ قَلِيلٍ!
فَأَجَابَتِ السُّلَحْفَاةُ :
— نَعَمْ.
أَحْيَانًا عِنْدَمَا لَا نَحْصُلُ عَلَى مَا نُرِيدُ، نُحَاوِلُ إِقْنَاعَ أَنْفُسِنَا أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ.
وَبَيْنَمَا كَانَ الثَّعْلَبُ يَبْتَعِدُ، سَمِعَ صَوْتَ جَرَسِ كَنِيسَةٍ صَغِيرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ الغَابَةِ.
فَتَوَقَّفَ قَلِيلًا.
وَتَذَكَّرَ كَلِمَةً كَانَ قَدْ سَمِعَهَا مِنْ قَبْلُ :
«اَللهُ يُقَاوِمُ المُتَكَبِّرِينَ، وَأَمَّا المُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً.»
شَعَرَ الثَّعْلَبُ بِشَيْءٍ فِي قَلْبِهِ.
وَقَالَ لِنَفْسِهِ :
— الحَقِيقَةُ أَنَّ العِنَبَ لَيْسَ حَامِضًا... أَنَا فَقَطْ حَزِينٌ لِأَنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَصِلَ إِلَيْهِ.
فَعَادَ إِلَى الشَّجَرَةِ بِخُطُوَاتٍ هَادِئَةٍ.
وَقَالَ لِلسُّلَحْفَاةِ :
— أَعْتَذِرُ. لَمْ أَكُنْ صَادِقًا مَعَ نَفْسِي.
فَابْتَسَمَتِ السُّلَحْفَاةُ وَقَالَتْ :
— وَهٰذِهِ هِيَ بِدَايَةُ الحِكْمَةِ.
ثُمَّ جَمَعَتِ الحَيَوَانَاتُ بَعْضَ الأَغْصَانِ، وَصَنَعُوا مَكَانًا يَقِفُ عَلَيْهِ الثَّعْلَبُ.
وَبَعْدَ قَلِيلٍ، وَصَلَ إِلَى العُنْقُودِ أَخِيرًا.
تَذَوَّقَ حَبَّةً مِنَ العِنَبِ، فَابْتَسَمَ وَقَالَ :
— إِنَّهُ أَحْلَى مِمَّا تَوَقَّعْتُ!
فَقَالَ العُصْفُورُ ضَاحِكًا :
— أَلَمْ تَقُلْ إِنَّهُ حَامِضٌ؟
فَضَحِكَ الثَّعْلَبُ وَأَجَابَ :
— كُنْتُ مُخْطِئًا... وَأَفْضَلُ شَيْءٍ هُوَ أَنْ نَعْتَرِفَ بِخَطَئِنَا.
العِبْرَة :
✦ لَا نَنْتَقِدُ مَا لَا نَسْتَطِيعُ الوُصُولَ إِلَيْهِ.
✦ التَّوَاضُعُ أَجْمَلُ مِنَ التَّكَبُّرِ.
✦ الصِّدْقُ مَعَ النَّفْسِ يَقُودُنَا إِلَى الحَقِيقَةِ.
✦ وَكَمَا يُعَلِّمُنَا الرَّبُّ يَسُوعُ :
«تَعَلَّمُوا مِنِّي، لِأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ القَلْبِ.»
فَعِنْدَمَا نَتَحَلَّى بِالتَّوَاضُعِ وَالصِّدْقِ، يَمْلَأُ اللهُ قُلُوبَنَا فَرَحًا وَحِكْمَةً.
فريق عمل موقع المحبّة ©