18 Sep
18Sep

يجد إسكافي فقير كل صباح أحذية مخيطة وجاهزة على طاولته.


فمن يا ترى يساعده في الليل؟


تفاصيل القصة :

أصبح إسكافي فقيراً جداً دون ذنب منه، حتى لم يبقَ لديه أخيرًا سوى جلد يكفي لصنع زوج واحد من الأحذية.

وفي المساء، قصّ الجلد ليصنع الحذاء، على أن يبدأ العمل فيه في صباح اليوم التالي؛ ولأنه كان مرتاح الضمير، أوى إلى فراشه بهدوء، ودعا الله، ثم غطّ في نوم عميق.

وفي الصباح، وبعد أن أنهى صلاته وهمّ بالجلوس إلى عمله، وجد زوج الأحذية جاهزاً تماماً على طاولته. 


تملّكته الدهشة ولم يدرِ ما يقول.

أمسك الحذاء بيده ليتفحصه عن قرب، فإذا به متقن الصنع لدرجة أنه لم تكن فيه غرزة واحدة خاطئة، وكأنه تحفة من صنع فنان ماهر.


وما هي إلا لحظات حتى دخل مشترٍ، ولأن الحذاء أعجبه كثيراً، دفع فيه ثمناً أكثر من المعتاد، فاستطاع الإسكافي بذلك المال أن يشتري جلداً يكفي لزوجين من الأحذية. 

قصّ الجلد في المساء، وكان ينوي أن يبدأ العمل في الصباح الباكر بهمة ونشاط، لكنه لم يحتج إلى ذلك؛ فما إن استيقظ حتى وجدهما جاهزين.

ولم يتأخر المشترون أيضاً، فأعطوه مالاً وفيراً مكّنه من شراء جلد لأربعة أزواج من الأحذية.

وفي الصباح الباكر، وجد الأزواج الأربعة جاهزة أيضاً. 


واستمر الحال على هذا المنوال؛ فكل ما كان يقصه في المساء، يجده مخيطاً في الصباح، حتى استعاد قريباً مصدر رزقه الحلال، وأصبح في النهاية رجلاً ميسور الحال.


وذات مساء، قبل حلول عيد الميلاد بوقت قصير، وبعد أن انتهى الرجل من قصّ الجلد كعادته، قال لزوجته قبل الذهاب إلى النوم :

«ما رأيكِ لو سهرنا هذه الليلة لنرى مَن الذي يمدّ لنا يد العون هكذا؟»

وافقت الزوجة بسرور وأشعلت شمعة، ثم اختبآ في زوايا الغرفة خلف الملابس المعلقة هناك، وأخذا يراقبان. 


وعند منتصف الليل، ظهر قزمان صغيران ظريفان وعاريان، وجلسا أمام طاولة الإسكافي. 

أخذا كل الجلد المقصوص، وبدآ يغرزان ويخيطان ويدقان بأصابعهما الصغيرة بخفة وسرعة مذهلة، حتى إن الإسكافي لم يستطع أن يرفع عينيه عنهما من شدة الدهشة. 


ولم يتوقفا عن العمل حتى أتما كل شيء وتركا الأحذية جاهزة على الطاولة، ثم قفزا وركضا بعيداً بسرعة.


وفي الصباح التالي، قالت الزوجة :

«لقد جعلنا هذان الرجلان الصغيران أغنياء، ويجب علينا أن نظهر لهما امتناننا.

إنهما يركضان هكذا وليس على جسديهما ما يسترانه، ولا بد أنهما يشعران بالبرد.

أتعلم؟ سأخيط لهما قمصاناً صغيرة، ومعاطف، وسترات، وسراويل قصيرة، وسأنسج لكل منهما زوجاً من الجوارب؛ أما أنت فاصنع لكل واحد منهما زوجاً من الأحذية الصغيرة.»


قال الرجل :

«أنا موافق بكل سرور.»

وفي المساء، وبعد أن جهّزا كل شيء، وضعا الهدايا معاً على الطاولة بدلاً من الجلد المقصوص، ثم اختبآ ليراقبا ما سيفعله القزمان.


وعند منتصف الليل، جاءا يقفزان وأرادا البدء في العمل على الفور، لكنهما لم يجدا جلداً مقصوصاً، بل وجدا تلك الملابس الصغيرة الأنيقة. 


تفاجآ في البداية، ثم غمرتهما فرحة عارمة.

ارتديا الملابس بأقصى سرعة، ومسّدا الثياب الجميلة على جسديهما، وغنيا :


«ألسنا صبياناً في غاية الأناقة والجمال؟ فلمَ نظل إسكافيين نصنع النعال!»


ثم أخذا يقفزان ويرقصان، ويثبان فوق الكراسي والمقاعد.

وأخيراً، خرجا من الباب وهما يرقصان.

ومنذ ذلك الحين لم يعودا أبداً، لكن الإسكافي عاش في رغد وخير طوال حياته، وحالفه التوفيق في كل ما قام به من عمل.







العبرة :

لَا تَسْتَسْلِمْ لِلْيَأْسِ، وَاعْمَلْ بِأَمَانَةٍ، وَاتْرُكْ لِلَّهِ طَرِيقَ الْعَوْنِ.


كان الإسكافي فقيرًا، لكنه لم يلجأ إلى الغش أو السرقة، بل بقي أمينًا في عمله، ونام مرتاح الضمير بعد أن رفع قلبه إلى الله بالصلاة.

ولم يكن يعرف من أين سيأتيه الفرج، لكن المساعدة وصلت إليه بطريقة لم يكن يتوقعها.

ثم، عندما تحسّنت أحواله، لم ينسَ الإسكافي وزوجته مَن ساعدهما، بل فكّرا في ردّ الجميل.

وهنا تظهر قيمة مسيحية عظيمة : مَن اختبر الخير، مدعوّ إلى أن يصنع الخير بدوره.

فالمسيحي لا يكتفي بأن يشكر الله على النعمة، بل يحوّل النعمة التي نالها إلى محبة وعطاء واهتمام بالآخرين.

وهكذا تعلّمنا القصة :
إِذَا ضَاقَتْ بِكَ الْحَيَاةُ، فَلَا تَفْقِدْ ثِقَتَكَ بالله.

اعْمَلْ بِأَمَانَةٍ، وَصَلِّ بِثِقَةٍ، وَافْعَلِ الْخَيْرَ، فَاللهُ قَادِرٌ أَنْ يَفْتَحَ لَكَ أَبْوَابًا لَا تَخْطُرُ لَكَ عَلَى بَالٍ.

وَإِذَا أَرْسَلَ اللهُ إِلَيْكَ مَنْ يَسْنُدُكَ، فَلَا تَنْسَ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ سَنَدًا لِغَيْرِكَ.

«وَكُلُّ مَا تَفْعَلُونَهُ، فَاعْمَلُوهُ مِنَ الْقَلْبِ كَمَا لِلرَّبِّ» (كولوسي ٣: ٢٣).


 فريق عمل موقع المحبّة ©

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.