تربط أفعى قوس قزح بين الماء والحياة والأرض في تقليد عريق من تقاليد السكان الأصليين، يذكرنا بقوة الطبيعة العظيمة والاحترام الذي تستحقه.
تفاصيل القصّة :
في أقدم القصص التي ترويها العديد من شعوب أستراليا الأصلية، يُحكى عن زمن بعيد جابت فيه الكائنات العريقة الأرض، تاركةً وراءها آثاراً في هذا العالم من خلال رحلاتها.
ومن بين هذه الكائنات، تبرز أفعى ضخمة ترتبط بالماء والمطر والحياة، تمتلك قوة قادرة على تغيير معالم الأرض، والبقاء إلى الأبد في الأماكن التي مرت بها.
واليوم، نعرفها باسم أفعى قوس قزح.
يُحكى أنها زحفت عبر الأرض، تشق طريقها بجسدها الهائل، وتغوص في التراب مع كل حركة، لتفصل الصخور وتترك وراءها مسارات طويلة ومتعرجة، ارتبطت فيما بعد بالأنهار والجداول والبحيرات والبرك العميقة.
وحيثما مرت الأفعى، احتفظت الطبيعة بذكرى حركتها، وكأن الأرض نفسها قادرة على حفظ آثار تلك الرحلات العريقة.
سارت المياه في تلك المسارات، وتجمعت في الأماكن العميقة.
وبفضلها، تمكنت النباتات من النمو ووجدت الحيوانات ما تروي به ظمأها، وعادت دورات الخير والعطاء بعد فترات الجفاف، ووجدت الحياة مكاناً للاستمرار. ولهذا السبب، لا ترتبط أفعى قوس قزح في العديد من التقاليد بالأنهار أو الأمطار فحسب، بل بخصوبة الأرض وقدرة الماء الاستثنائية على إيقاظ الطبيعة.
منظر جوي لأفعى قوس قزح وهي تخلق نهراً في مسارها، مع نباتات تنبت على الضفاف.
عندما تهطل الأمطار، يمكن لما كان يبدو ساكناً أن يتغير في وقت قصير جداً.
تمتلئ مجاري الأنهار من جديد، وتستعيد النباتات ألوانها الزاهية، وتعود الحيوانات إلى أماكن بدت وكأن الحياة قد هجرتها لعدة أشهر. ترتبط الأفعى بهذا التحول العظيم، لكن قوتها لم تكن يوماً قوة لطيفة وُجدت لمجرد مساعدة البشر.
لأن المياه يمكن أن تفيض أيضاً.
فالأنهار ذاتها التي تهب الحياة، قد يرتفع منسوبها وتتجاوز ضفافها، والعاصفة القادرة على إعادة اللون الأخضر إلى الأرض، يمكنها أيضاً أن تقتلع الأشجار، وتشق طرقاً جديدة، وتغمر أماكن كانت جافة قبل وقت قصير.
في قصص أفعى قوس قزح، نجد أيضاً تلك القوة الهائلة، القادرة على البناء والهدم، على الحماية والمعاقبة.
تروي بعض الحكايات أنها تحرس أماكن ومياهاً معينة، بينما تذكرنا حكايات أخرى بخطورة تجاهل القوانين أو التصرف بقلة احترام تجاه الأرض.
لا تحتاج أفعى قوس قزح أن تكون خيرة أو شريرة، لأن المطر والنهر والعاصفة ليسوا كذلك أيضاً.
فجميعها قادرة على منح الحياة، وجميعها قادرة على أن تكون قاسية ومخيفة.
إن قوتها تنتمي إلى طبيعة لم تُخلق لتكون في خدمة البشر، بل تستحق الاحترام تحديداً لأن حياتنا تعتمد عليها.
السماء أيضاً جزء من حكايتها. فبعد العاصفة، عندما تظل قطرات المطر معلقة في الهواء ويخترقها النور، قد يظهر قوس هائل من الألوان الزاهية فوق الأرض.
تتخذ العلاقة بين هذا القوس والماء والأفعى العظيمة أشكالاً مختلفة حسب التقاليد المروية، لكن الثلاثة يظهرون مترابطين ارتباطاً وثيقاً: المياه التي تجري على الأرض، والمطر الذي يتساقط من السحب، وقوس قزح الذي يشرق عندما تبدأ العاصفة في الرحيل.
وهكذا، تنتمي الأفعى إلى أعماق المياه، وترتبط في الوقت نفسه بالسماء؛ تجوب الأرض، لكن يمكن الشعور بوجودها أيضاً في المطر وفي الدورات التي تغير ملامح الطبيعة. فحيثما يبقى الماء، يبقى الأمل في استمرار الحياة، وحيثما تكون الأفعى حاضرة، تبقى الذكرى بأن هذا التوازن له قواعده الخاصة.
على مدى أجيال لا تُحصى، تحدثت هذه القصص عن أرض يرتبط فيها كل شيء ببعضه. فالماء لا ينفصل عن الحيوانات التي تشرب منه ولا عن النباتات التي تنمو على ضفافه؛ والبشر لا ينفصلون عن الأرض التي يعتمدون عليها، والأماكن ليست مجرد جبال أو صخور أو أنهار أو برك، لأنها قادرة أيضاً على حفظ الذكريات والواجبات والقصص.
لعل هذا هو سر قوة أفعى قوس قزح.
يبدو جسدها وكأنه يتخذ شكل النهر ذاته عندما يجري بحرية عبر الطبيعة: منحنى يتبعه آخر، ومسار ينحرف، يختفي ثم يعود للظهور مرة أخرى في مكان أبعد. تربط حكايتها بين هذه الحركة والمطر المتساقط، وبين الحياة التي تعود بعده، وقوة المياه التي يجب أن تُحترم.
رجل قبلي عجوز يرسم ثعبانًا على الرمال لطفلين، يشير إلى نهر متعرج.
رجل قبلي عجوز يرسم ثعبانًا على الرمال لطفلين، يشير إلى نهر متعرج.
لا أحد يعرف متى بدأت تُروى قصص أفعى قوس قزح، لأن معارف شعوب أستراليا الأصلية انتقلت شفهياً عبر أجيال لا تُحصى. ما نعرفه هو أن هذه التقاليد قديمة جداً :
ففي أستراليا تُحفظ رسومات صخرية تضم أشكالاً تُعرف بأنها أفاعي قوس قزح، ويعود تاريخ بعضها إلى نحو ستة آلاف عام.
كما أنه لا توجد قصة واحدة أو أفعى قوس قزح واحدة مشتركة بين جميع شعوب أستراليا الأصلية.
فكل منطقة تحتفظ بأسمائها وحكاياتها وخصائصها، ويُستخدم اسم «أفعى قوس قزح» اليوم لجمع التقاليد التي تشترك في بعض العناصر، مثل ارتباطها بالماء والمطر والطبيعة والحياة، وبقوة قادرة على البناء والهدم معاً.
وهناك حكايات وطقوس ومعارف أخرى تنتمي إلى مجتمعات محددة ولا يجوز روايتها خارجها.
علاوة على ذلك، لا تنتمي هذه القصص إلى الماضي فحسب.
بل لا تزال أفعى قوس قزح تحمل معنى روحياً وثقافياً عميقاً للمجتمعات الأسترالية الأصلية اليوم، ولا تزال في بعض المناطق مرتبطة بأماكن محددة يجب احترامها.
لعل هذا ما يجعل من الصعب التفكير فيها كشيء من الماضي البعيد : فالرسومات على الصخور يبلغ عمرها آلاف السنين، لكن الأنهار لا تزال تجري عبر الأرض، والمطر لا يزال يغير ملامح الطبيعة، وقصص أفعى قوس قزح لا تزال حية تُرزق.
العبرة :
الماء الذي يهب الحياة
تُذكّرنا قصة أفعى قوس قزح بأن الماء قادر على أن يغيّر وجه الأرض، فيُحيي ما ذبل، ويجعل الحياة ممكنة من جديد. أمّا في الإيمان المسيحي، فالماء يحمل معنى أعمق: إنّه يذكّرنا بنعمة الله التي تُحيي الإنسان من الداخل.
وكما تحتاج الأرض إلى المطر لكي تزهر، يحتاج قلب الإنسان إلى نعمة الله لكي يتجدد ويثمر.
فالإنسان قد يمرّ بأوقات تشبه الجفاف : تعب، حيرة، خوف، تجربة أو ضيقة، فيشعر وكأن الحياة قد توقفت.
لكن الله يستطيع أن يرسل إلى القلب «مطر نعمته»، فيعيد إليه الحياة، ويجعله يثمر من جديد.
وتذكّرنا القصة أيضًا بأن قوة الطبيعة تستحق الاحترام، وهذا يقودنا مسيحيًا إلى احترام خليقة الله وعدم التعامل معها وكأنها ملك لنا بلا حدود.
فالكتاب المقدس يعلّمنا أن الأرض وكل ما فيها هو للرب، وأن الإنسان مدعو إلى رعايتها لا إلى استغلالها.
والأجمل أن قوس قزح نفسه يحمل في الكتاب المقدس علامة العهد :
«وَضَعْتُ قَوْسِي فِي السَّحَابِ، فَتَكُونُ عَلامَةَ مِيثَاقٍ بَيْنِي وَبَيْنَ الأَرْضِ»
(تكوين ٩: ١٣)
لذلك يمكن أن نرى بعد العاصفة تذكيرًا جميلًا بأن الله لا يتركنا في وسط العاصفة؛ فبعد المطر يمكن أن تزهر الأرض، وبعد الضيقة يمكن أن يولد الرجاء، وبعد الدموع يمكن أن يأتي التعزية.
العِبرة :
> كَمَا يُحْيِي الْمَطَرُ الأَرْضَ الْعَطْشَى، تُحْيِي نِعْمَةُ اللهِ الْقَلْبَ الْمُتْعَبَ.
فَلَا تَخَفْ مِنْ عَوَاصِفِ حَيَاتِكَ؛ فَاللَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ بَعْدِهَا أَرْضَكَ تُزْهِرُ مِنْ جَدِيدٍ.
فريق عمل موقع المحبّة ©