19 Aug
19Aug

تتحول رحلة استكشافية مدرسية إلى مغامرة بقاء مثيرة، حيث يواجه الأبطال تحديات غير متوقعة في كوكب غريب، مكتشفين معاني الشجاعة وقوة الترابط في أحلك الظروف.



غمرت شمس فيريديا-7 البرتقالية الغابات بضوء ناعم، يتسلل خلسة بين أوراق الأشجار الشاهقة والغريبة، التي شكلت تيجانها أنماطاً هندسية يستحيل وجود مثيل لها على الأرض.


كانت أقمار الكوكب المتعددة تطل بخجل في كبد السماء، حتى في وضح النهار، لتذكر الجميع باستمرار أنهم بعيدون جداً عن كوكبهم الأم.


سار فريق المستكشفين في هدوء نسبي، تحيط بهم أصوات الطبيعة التي لم يقطعها سوى توجيهات المشرفين والأساتذة، الذين كانوا يقدمون معلومات شيقة عن الكائنات التي يصادفونها في طريقهم.


كل خمسة عشر يوماً، كانت تُنظم رحلة استكشافية لمجموعة من المراهقين الشغوفين بالطبيعة، لجمع البيانات للعلماء وتبادل الخبرات بعيداً عن جدران القاعدة المغلقة.


كان إسحاق يسير في مؤخرة المجموعة، وشعره الداكن المموج يتطاير بفعل النسيم، بينما تجمعت قطرات العرق على جبينه.


بنيته الرياضية جعلته يحمل حقيبة الظهر المليئة بالأجهزة والمؤن دون أي عناء.


كان لا يزال من أطول أفراد المجموعة قامة، بملامح بدأت تكتسب حدة الرجولة، وعينين عميقتين تختلسان النظر بين الحين والآخر نحو أورا، التي بدت كعادتها غير منتبهة لوجوده.


كانت تسير أمامه ببضع خطوات، منشغلة بالحديث مع ليام وصديقة جديدة تُدعى أليكسيا، يراقبون انبهاراً كيف تتغير ألوان أوراق الشجر تحت أشعة الضوء.



وصل المستكشفون إلى مرج واسع تحيط به أشجار عملاقة، حيث قرر الأساتذة إقامة المخيم.


بدأ ثلاثة من المشرفين في تجهيز منطقة المبيت، ناصبين «الخيام المتطورة» (Exo-Tent) التي سيقضون فيها ليلتهم.


في تلك الأثناء، كان المشرف الأخير يجهز، بمساعدة إسحاق، المعدات اللازمة لدراسة الأقمار بالقرب من فسحة خالية بين الأشجار. 


ومع حلول الليل، اجتمع الجميع لمراقبة السماء عبر التلسكوبات المحمولة المتصلة بقاعدة بيانات تعرض أسماء الأجرام وخصائصها.


إستلقت أورا على العشب، تستنشق الهواء النقي وتترك لروعة السماء فرصة احتضان خيالها.


وعلى مقربة منها، كان إسحاق يرقبها بطرف عينه، متمنياً لو يمتلك الشجاعة لكسر حاجز الكلمات الرسمية القليلة التي يتبادلانها عادة.


مع بزوغ الفجر، انطلقوا نحو الجبل. بدأت الرحلة سهلة، لكن المنحدرات ازدادت وعورة كلما تقدموا.


عند وصولهم إلى القمة، تجولوا في المنطقة مبهورين بالمناظر الطبيعية.


لاحظ الفريق أن نوع التربة لا يتطابق مع ما رصدته المسابير سابقاً، فبدؤوا بجمع العينات للتحليل. تقدمت أورا لاستكشاف نتوء صخري، مستمتعة بنسمات المساء العليلة.

تبعها إسحاق، مبقياً مسافة آمنة بينهما.


من ذلك الارتفاع، امتد الأفق أمامهم بلا نهاية، مكسواً بغطاء نباتي كثيف.


همست هي بصوت خافت، موجهة كلامها لنفسها أكثر منه له :

«إنه منظر يأسر الأنفاس».


أجاب إسحاق وهو يقترب، وعيناه معلقتان بها لا بالأفق : 

«نعم... إنه كذلك».


فجأة، مزقت صرخة حادة سكون المكان.


إلتفت كلاهما نحو المجموعة. 


كانت ساق أليكسيا قد غاصت في الأرض، وبدأ المشرف الذي يحاول مساعدتها بالصياح محذراً من أن الأرض تبدو مجوفة وغير مستقرة.


وقبل أن تدرك أورا ما يحدث، إنهارت الأرض تحت قدميها. 


حدث كل شيء في لمح البصر : غبار كثيف، صوت طراخ مكتوم لصخور تتهاوى، وصرخة مخنوقة من أورا.


قفز إسحاق محاولاً الإمساك بها، لكن قدميه غاصتا أيضاً، واختفى الاثنان في ظلام دامس.


إنزلقت أورا عبر ممر عمودي وعر، ترتطم بجدرانه وتبتلع الغبار، محاولة التشبث بأي شيء، لكن الجدران كانت تتفتت تحت أصابعها.


أخيراً، شعرت بارتطام عنيف بالأرض، وعلقت قدمها في شق صخري، لتطلق صرخة ألم مدوية.


إستمرت الحجارة في التساقط حولها، وفجأة، سقط جسد إسحاق بجوارها بصوت دُبّ ثقيل.


كان الضوء الخافت المتسلل من الفتحة البعيدة بالأعلى يكشف بالكاد عن جدران الكهف والغبار الرمادي العالق في الهواء.


زحفت أورا بصعوبة نحو جسد إسحاق الساكن لتتأكد من تنفسه.


قلبته بحذر، لتشعر بسائل لزج عند لمس رأسه.


همست بصوت يرتجف وهي تفتش في حقيبته التي لا تزال معلقة بظهره :


«هيا يا إسحاق... استيقظ أرجوك...».


عثرت على مصباح صغير غمر المكان بضوء أزرق، وأخرجت الماسح الطبي المحمول. 


وبيدين مرتعشتين، مررته فوق جرح إسحاق، فأشار الجهاز إلى أن الإصابة ليست خطيرة.


اتبعت تعليمات الجهاز، ونظفت الجرح ثم أغلقته بضمادة لاصقة جراحية.


ما إن انتهت حتى بدأ إسحاق يتململ، فتنفس أورا الصعداء.


سأل إسحاق بصوت مبحوح :


«ماذا... ماذا حدث؟».


قدمت له أورا الماء، فسعل قليلاً أثناء الشرب.


وبعد أن هدأ، التقت عيونهما، وللحظة، بدا وكأن هذا المكان الضيق قد ازداد ضيقاً وحميمية.


حاول إسحاق تحرير أورا، لكن كلما حرك ساقها، صرخت من الألم.


حاول استخدام الماسح الضوئي، لكن قدمها كانت مدفونة بعمق، ويبدو أن التربة تحتوي على معادن تشوش قراءات الجهاز.


قررا الانتظار، معتمدين على إشارات الاستغاثة في بذلاتهم، لكن الوقت مر ببطء قاتل ولم تأتِ المساعدة.


تفحص إسحاق الممرات بحثاً عن مخرج، لكنه لاحظ علامات مقلقة تشير إلى وجود شيء ما يعيش هنا.


لم يرغب في إفزاع أورا، لكن صوتاً هادراً وعميقاً جاء من بعيد ليؤكد مخاوفه.


قال بحزم وهو يقترب منها : 


«لا يمكننا الانتظار أكثر». 


أومأت أورا برأسها، وقد شحب وجهها وتصبب عرقاً.


بجهد جهيد، تمكن إسحاق من تحريرها من الشق الصخري. 


صرخت ألمًا، لكنه لم يتوقف حتى أخرجها.


أكد الماسح مخاوفه : كاحلها مكسور.


ودون إضاعة للوقت، ساعدها على الوقوف ممسكاً بخصرها. 


تشبثت أورا برقبته، عاجزة عن وضع قدمها على الأرض، وبدآ يتقدمان بتعثر عبر الأنفاق.


جمد الدم في عروقهم صوت جديد، أقرب هذه المرة.


حمل إسحاق أورا بين ذراعيه، وحاولت هي أن تشد عضلاتها لتخفف ثقلها عليه قدر الإمكان.


مستعيناً بتيار هواء نقي رصده الماسح، سارع إسحاق الخطى.


وأخيراً، لاح ضوء في نهاية نفق ضيق.


حفر إسحاق بيدياه حتى أصبحت الفتحة واسعة بما يكفي لمرور أورا، ودفعها عبرها.

التفتت إليه متوسلة أن يخرج هو أيضاً، لكن الفتحة كانت أضيق من أن يمر منها.


في تلك اللحظة الحاسمة، تعالت أصوات الكبار من خلف الأشجار.


لقد تمكنوا من تتبع إشاراتهم بمجرد اقترابهم من السطح. 


وبجهد أخير، نجحوا في سحب إسحاق للخارج، تماماً في اللحظة التي انقض فيها حيوان ضخم ومجهول من الظلال.

انطلقت أسلحة الردع لتبعد الوحش، وأسرع الفريق بالعودة إلى المخيم.


في الوحدة الطبية بالقاعدة، كان الأطباء يعالجون أورا، لكن عينيها لم تفارقا إسحاق وهو يتلقى العلاج.


ولأول مرة، نظرت إليه بطريقة مختلفة.


رغم الألم والخوف، شعرت بأن شيئاً ما بداخلها قد تغير. 


إلتفت إليها إسحاق، وعندما تلاقت نظراتهما، ارتسمت على وجهه ابتسامة خجولة قالت كل شيء دون الحاجة إلى كلمة واحدة.


 فريق عمل موقع المحبّة ©

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.