في الذكرى السنوية الأولى على كوكب فيريديا-٧، تحتفل المستعمرة وسط تحولات جسدية مذهلة وأسرار عاطفية تتكشف تحت ضوء الأقمار.
هل أصبح المستوطنون جزءاً من روح الكوكب، أم أن هناك خطراً غامضاً يتربص في الظلال؟ قصة مشوقة عن الروابط العائلية، والغيرة، ومواجهة المجهول.
كانت مارا تمسك بجهازها اللوحي ويدها ثابتة، بينما تراجع التقرير الطبي المفصل الذي استلمته للتو.
كانت عيناها تتنقلان بسرعة بين سطور النص، تستوعب باهتمام شديد أحدث البيانات حول التكيفات البيولوجية التي رصدوها لدى المستوطنين.
كانت قاعة الاجتماعات العلمية، بتصميمها الدائري وسقفها الشاهق، مزينة بأقمشة شفافة منسوجة من ألياف فيريدية تلطف الضوء، مما أضفى جواً من الاسترخاء.
وفي الخلفية، بدأت موسيقى المهرجان التمهيدية تتسلل إلى الآذان بخجل، معلنة قرب انطلاق الحدث الذي قضوا أسابيع في التحضير له.
تبادل العديد من الباحثين نظرات ملؤها الحماس؛ فقد أدركوا أن ثمرة عمل دورة كاملة باتت جاهزة للمشاركة مع بقية أفراد المستعمرة.
رفعت مارا بصرها لتخاطب العلماء المجتمعين في القاعة قائلة :
— لقد مرت دورة كاملة حول شمس فيريديا-٧، وهو ما يعادل عاماً ونصف العام بتوقيت الأرض.
التحسينات الفسيولوجية على المستوطنين واضحة للعيان.
لم تعد القزحية الذهبية استثناءً، بل يمكن ملاحظة تغيرات في لون العيون لدى جميع الأفراد، وأصبحت هي القاعدة لدى كل الأطفال الذين ولدوا هنا.
ويرافق ذلك تغيرات بصرية وعصبية ملحوظة.
لقد زادت العيون المائلة للاصفرار من حدة إدراكنا البصري بشكل كبير، خاصة في ظروف الإضاءة الخافتة، مما يسمح لنا بالتقاط تفاصيل كانت غير مرئية سابقاً، ورفع قدرتنا على الاستجابة السريعة للمحفزات البصرية في البيئة المحيطة.
ثم التفتت قائلة :
— دوريان، هل تود التعليق على ما لاحظته في منطقة الحضانة؟
مال الرئيس العلمي بجسده القوي والهادئ قليلاً إلى الأمام، وبدت عيناه الموشحتان بالذهب وكأنهما تعكسان بريق الكوكب.
— نعم، بالتأكيد.
في حالات الولادة الأخيرة، بدأنا نسجل استجابات انعكاسية تجاه المحفزات الضوئية الطبيعية في البيئة.
أي أن الأطفال يبدون قادرين على التفاعل بشكل شبه غريزي مع أضواء معينة تصدرها المخلوقات المضيئة في الغابة أو مع حركة أوراق الشجر، وكأن حواسهم قد طورت بالفعل شكلاً من أشكال الحوار البدائي مع فيريديا.
سرت همهمة من الذهول في أرجاء القاعة.
توقف دوريان للحظة، مراقباً ردود أفعال زملائه المتيقظة، قبل أن يتابع بجدية :
— يظهر جلد المستوطنين لمعاناً خفيفاً تحت ظروف إضاءة معينة، مما يشير إلى تغيرات خلوية عميقة ومستقرة.
أما الأفراد الذين تعرضوا لجروح جراء التعرض المباشر لمادة "الفيريديتا"، فقد طوروا أنماطاً عضوية معقدة في المناطق المصابة.
هذه الوشم الرمادية تبدو وكأنها تستجيب عاطفياً للبيئة، وهي أكثر وضوحاً لدى أشخاص مثل أورا وإسحاق، اللذين كانا أول من تعرض لاتصال مباشر.
أومأ دوريان برأسه موافقاً :
— أجهزة الاستشعار اللمسية التي قمنا بتركيبها لقياس الموصلية الكهربائية الحيوية رصدت تغيرات مرتبطة بالحالة العاطفية للفرد وبوجود كائنات حية قريبة.
الجلد حرفياً "يشعر" بفيريديا.
وقد بدأ بعض المستوطنين في استخدام هذه الحاسة بشكل حدسي لتجنب مناطق الخطر أو استشعار تغيرات مزاج المخلوقات القريبة.
توقفت مارا لالتقاط أنفاسها ثم واصلت عرضها :
— على المستوى الجسدي، تكيفت أجسادنا بشكل ملحوظ مع الجاذبية المنخفضة للكوكب.
أصبحت عضلاتنا أكثر رشاقة وتناسقاً، وعظامنا، رغم انخفاض كثافتها لتعويض الجاذبية المنخفضة، خضعت لتغيرات جعلتها أكثر مقاومة للكسور والإصابات.
بالإضافة إلى ذلك، ازداد طولنا بشكل ملحوظ؛ فبين انخفاض الجاذبية وتكيف الفيريديتا، اكتسب البالغون حوالي ٦ سنتيمترات إضافية خلال هذه الفترة، وكان الفارق أكبر بكثير لدى الأطفال والمراهقين الذين ما زالوا في طور النمو عند وصولنا، حيث وصل النمو في بعض الحالات إلى ١٦ سنتيمتراً أكثر من نظائرهم على الأرض.
سرت موجة من الهمسات بين الفريق.
كانت كل هذه التغييرات تدريجية لدرجة أنها مرت دون أن يلاحظها أحد في الحياة اليومية للمستعمرة.
لقد أصبح من الصعب عليهم تذكر هيئتهم القديمة عندما غادروا الأرض.
تابعت مارا :
— من ناحية أخرى، زادت قدرة تحملنا للقلب والأوعية الدموية بشكل كبير، مما حسن من أكسجة الجسم في هذا الغلاف الجوي الخاص.
أصبحت حركاتنا أكثر رشاقة وانسيابية، متكيفة تماماً مع الظروف الخاصة لفيريديا-٧.
قاطعها دوريان بصوت هادئ :
— والتنفس أيضاً تغير.
أصبح أكثر هدوءاً وأقل استعجالاً.
لقد قسنا انخفاضاً في معدل ضربات القلب الأساسي، ولكن مع زيادة في التباين.
قد يكون هذا مرتبطاً ليس فقط بالتكيف الفسيولوجي، بل والعاطفي أيضاً.
نحن نعيش بتناغم أكبر، ليس فقط مع البيئة، بل فيما بيننا.
نظرت إليه مارا بامتنان وتابعت :
— لكن ربما يكون الأمر الأكثر روعة وصعوبة في القياس هو الرابط العاطفي والحسي الذي طورناه مع الكوكب.
كما ذكرنا، أبلغ العديد من الأفراد عن قدرتهم على إدراك أحاسيس مشتركة مع أنواع محلية أخرى، متفاعلين عاطفياً مع مواقف التوتر أو الخطر التي تؤثر على النظام البيئي.
قد يكون هذا الاندماج الحسي العميق هو مفتاح بقائنا على المدى الطويل، حتى لو ميزنا بشكل لا رجعة فيه عن جنسنا الأصلي.
أضاف دوريان بصوت خافت :
— ربما نتحول إلى شيء جديد. شيء لا اسم له بعد، ولكنه بلا شك شكل من أشكال الإنسانية المتجذرة بعمق.
أغلقت مارا التقرير بحركة ناعمة من يدها.
كانت تشعر بإثارة الزملاء.
ورغم أهمية تطورهم كنوع، إلا أن ذلك اليوم كان مخصصاً للتحضير لمهرجان الوئام.
يوم نظموه للاحتفال بمرور عامهم الأول حول شمس فيريديا، حيث ستقام المسابقات والألعاب، بالإضافة إلى وليمة عشاء كبرى ورقصة ختامية.
سيكون فرصة لتقديم كل إنجازاتهم، والاحتفاء بالأطفال الذين ولدوا في فيريديا-٧، وتكريم رابطتهم بالكوكب الذي يحتضنهم.
قالت مارا بابتسامة :
— اذهبوا إلى عائلاتكم.
اليوم لا نحتفل فقط بما نحن عليه، بل نحتفل أيضاً بما يمكن أن نصبح عليه.
في منزلها الجديد، المبني من سبيكة لامعة من التنتالوم والفيريديتا، كانت أورا تضع اللمسات الأخيرة على طبق الحلوى بصحبة إسحاق.
كانت الجدران، ذات البياض المتلألئ، تعكس بنعومة ضوء الغروب الطبيعي.
سألت أورا وهي تنثر حبات التوت الزمردي برقة فوق الحلوى :
— هل تعتقد أنهم سيحبونه؟
إقترب إسحاق، الذي انتهى للتو من إعداد طبق من الخضروات العطرية، من خلفها بمودة، متأملاً عملها.
همس وهو يحيطها بذراعيه ويطبع قبلة رقيقة على جبينها :
— أنا متأكد من أنهم سيعشقونه.
ابتسمت أورا، مدركة للدفء اللطيف الذي شعرت به في صدرها.
منذ أن انتقلا للعيش معاً، بدا أنهما وجدا نوعاً من الاستقرار والهدوء، مستمتعين بهذه اللحظات اليومية البسيطة.
— لقد أصبحت المستعمرة جميلة جداً، ألا تظن ذلك؟
في الواقع، كانت المستعمرة تبدو مذهلة.
أشرف ديريك، مع مستوطنين آخرين، على كل تفاصيل الزينة، حيث دمجوا نباتات محلية مضيئة تبعث ضوءاً خافتاً، مما خلق جواً دافئاً وساحراً.
وقام والدا ليام بنشر أنظمة تبث موسيقى محيطية، مصممة لتتناسب تماماً مع صوتيات الكوكب.
قضوا اليوم كله في أنشطة وألعاب متنوعة.
في سباقات "الغاليبر"، برزت أليكسيا كفارسة ماهرة، متفوقة على جميع الرفاق، وقدمت زوي حيوانات "الدروميك"، المخلوقات الجديدة المستأنسة، وهي كائنات ضخمة ذات عضلات وستة أرجل، تشبه وحيد القرن الأرضي لكنها أكثر رشاقة وموائمة لنقل الأحمال الثقيلة.
أجابها إسحاق وهو يقبل أرنبة أنفها :
— الجميلة هي أنتِ.
كانت أورا ترتدي فستاناً أزرق عميقاً، منسوجاً بعناية من ألياف ناعمة وحريرية مستخرجة من نباتات محلية.
كان القماش يتكيف برشاقة مع حركاتها، عاكساً الضوء المحيط بشكل خفي، مما يولد ومضات صغيرة تكاد تكون منومة.
كان ملمس القماش بارداً ومرناً، خفيفاً كأنه جلد ثانٍ.
إنسدلت التنورة بنعومة، رغم أنه كان يمكن إزالتها بسهولة للكشف عن بنطال قصير مريح يسمح لها بالتحرك بحرية وأمان تامين، مستعدة لأي طارئ قد يخبئه الكوكب لها.
أضاف إسحاق وهو يربت على كتفها بمرح ليستحثها :
— هيّا، أسرعي وإلا تأخرنا عن بقية الألعاب والاحتفالات.
ضحكت أورا بخفة واستجابت لمرحه.
وصلا تماماً مع بدء مراسم تقديم الأطفال المولودين في فيريديا-٧.
في المنطقة الوسطى، كان الصغار يرتاحون على سرير من النباتات المحلية التي كانت تستجيب لوجودهم، مطلقة عطراً حلواً ومريحاً، وكانت أوراقها الكبيرة تتحرك لتعانقهم برفق وتداعبهم بحنان.
شعرت أورا بدفء يسري في صدرها وهي تراقب المشهد؛ الكوكب يعترف بهؤلاء الصغار كجزء منه.
بعد ذلك، بدأت مسابقة المهارات البدنية.
كانت عبارة عن اختبارات ثنائية تتطلب القيام بحركات وقفزات شبه بهلوانية للوصول إلى خط النهاية أولاً. تم اختيار الأزواج عشوائياً، ووجدت أورا نفسها في فريق واحد مع سورين.
تبادلا ابتسامة راضية؛ فقد كان بينهما تواصل عميق خلال إقامتهما على القمر، لكن لم تتح لهما الفرصة للقيام بأي نشاط معاً منذ ذلك الحين.
بمجرد انطلاق الإشارة، استجابت أجسادهما وكأنهما جسد واحد، متزامنَي الحركة بانسيابية مدهشة.
توترت العضلات في آن واحد، بينما كانا يقفزان ويدوران بخفة، متفاديين العقبات بدقة متناهية.
شعرت أورا بأن تنفسها يتناغم تماماً مع تنفس سورين، وكأنهما يتشاركان نبضاً واحداً.
عند وصولهما إلى خط النهاية في المركز الأول، انفجرت هتافات مدوية تردد صداها بقوة، تغمرهما تماماً وترفع من حدة المشاعر في تلك اللحظة.
شعرت أورا بالأدرينالين يسري بدفء في جسدها، لكن هذه السعادة لم تدم سوى لحظات قبل أن تعكر صفو ذلك الانتصار نظرة غاضبة من إسحاق.
الذي أدار ظهره لها بوضوح من بعيد، وابتعد ليختفي بين الحشود.
قبل أن تتمكن من استيعاب الموقف، اقتربت فتاة قصيرة القامة، ذات شعر ناعم وداكن وعيون ذهبية حادة وبشرة شديدة الانعكاس، وكأنها تعرضت للفيريديتا أكثر من غيرها، نحو سورين بمودة، ممسكة بيده بألفة.
عرّفها سورين بتلقائية :
— أورا، هذه نينا، شريكتي.
أخفت أورا دهشتها وحيّتها بحرارة، رغم أن معدتها انقبضت وشعرت بارتباك غير متوقع.
إستأذنت بلطف لتذهب للبحث عن إسحاق.
ولكن، في تلك اللحظة بالذات، انطلق إنذار مفاجئ نبه الجميع.
يبدو أن وحش "أومبراكس" قد تسلل إلى حظيرة الغاليبر.
كانت وحوش الأومبراكس مفترسات ذات مخالب ضخمة، رشيقة للغاية، وتجيد التماهي مع البيئة.
كانت أورا قد رأت واحداً منها عن كثب عندما تعرضت للهجوم أثناء خروجها للبحث عن نيم، حيوانها الأليف الصغير، لكن نادراً ما كانوا يصادفونها، حيث كانت تفضل البقاء في مناطقها داخل الغابات الكثيفة.
سارعت المستعمرة للاستجابة، مدركين من خلال حساسيتهم الجديدة خوف الحيوانات المعرضة للخطر.
إستطاعت أورا أن تشعر بتسارع النبض وتوتر العضلات وسط الفوضى السائدة.
كان الأومبراكس يزمجر من داخل حظيرة الغاليبر، ومخالبه الحادة تلمع بخطورة تحت الأضواء الاصطناعية، بينما كانت الحيوانات المذعورة تطلق أصوات استغاثة التقطها المستوطنون بحواسهم المعززة.
وبسرعة، قام فريق منسق بإخافة المفترس وطرده، متأكدين من إبعاده مسافة كبيرة عن المستعمرة، بينما بقي فريق آخر مع الغاليبر لتهدئتها بكلمات ناعمة.
لاحظت أورا بقلق أن إسحاق لم يكن موجوداً في المنطقة للمساعدة أثناء الحادث، لذا انطلقت مجدداً للبحث عنه بينما حاول بقية المستوطنين استجماع قواهم لمواصلة الاحتفال.
سألت بعض الأشخاص، وأخبرتها فتاة شابة أنها رأته يتجه مسرعاً عبر طريق يبتعد عن القاعدة.
بعد السير لفترة، لمحت إسحاق من بعيد، في مرج تضيئه أنوار الأقمار الفضية.
بدا غاضباً، يلوح بذراعيه ويتحدث مع شخص لم تتعرف عليه.
أخيراً، وقف إسحاق ساكناً، وبدا عليه الانكسار بوضوح، وعندها اقترب الشخص الآخر، ووضع يديه برفق على وجه إسحاق، جاعلاً إياه ينظر إليه مباشرة، ثم عانقه بحنان.
شعرت أورا بأن قلبها يتوقف، وانتابها شعور سخيف بأنها تتلصص على شيء لا ينبغي لها رؤيته، حميمية لا تخصها.
في تلك اللحظة، انقشعت الغيوم لتسمح لأشعة القمر بإضاءة وجه الشخص الذي يعانق إسحاق : كانت زوي.
بقلب يخفق بشدة، ركضت أورا عائدة نحو القاعدة بحثاً عن ليام، الذي كان يتجاذب أطراف الحديث وسط الاحتفال، حيث استؤنفت المراسم وعاد الجو الاحتفالي.
عند رؤيتها، وبدا عليه القلق من تعابير وجهها، دعاها ليام للرقص على إيقاع الموسيقى التي بدأت تصدح.
سأل ليام بهدوء :
— ما الأمر يا أورا؟
عضت على شفتها بقلق وأجابت :
— رأيت إسحاق وزوي يتعانقان.
تنهد ليام وهو يفكر :
— هل رأيتِ شيئاً آخر؟ العناق لا يعني شيئاً يا أورا.
— لا. لكن... لم يبدُ عناقاً ودياً عادياً.
إكفهرَّ وجه ليام، لكنه لم يشأ إبداء رأيه.
— لا تستبقي الأحداث، دعينا نواصل الاستمتاع، حسناً؟
إمتزجت الموسيقى الناعمة والآسرة مع الضحكات والأحاديث المسترخية التي كانت تطفو في الهواء، صانعة همهمة مريحة.
كانت النباتات المضيئة، الموزعة بذكاء، تبعث ضوءاً خافتاً بدا وكأنه يتنفس بتناغم مع المستوطنين.
عبق التوابل المحلية والزهور المقطوفة حديثاً ملأ الأجواء، ممتزجاً بنسيم الليل المنعش الذي كان يداعب بشرة أورا برفق، محاولاً تهدئة القلق الذي لا يزال جاثماً في صدرها.
ورغم كل شيء، كانت فيريديا-٧ تتألق بجمال يحبس الأنفاس في تلك الليلة.
في تلك الأثناء، داخل المنشآت العلمية، كانت مارا مجتمعة مع كبار المسؤولين في القاعدة، وعلامات القلق بادية عليهم بسبب تسلل الأومبراكس.
قالت مارا بصوت حازم وقلق :
— من الغريب جداً أن يقرر الاقتراب بهذا القدر من المستعمرة.
يجب علينا التحقيق فيما يحدث في منطقة الغابة.
لابد أن شيئاً ما قد غير عاداته.
أخيراً، أرخى الليل سدوله على فيريديا-٧، تاركاً الجميع مع شعور واضح بأنه رغم تكيفهم العميق مع موطنهم الجديد، إلا أن الكوكب لا يزال يخفي أسراراً لم يفهموها تماماً بعد.
العبرة :
تُذَكِّرُنَا قِصَّةُ «آفاق بعيدة ١٠ : مهرجان الوئام» أَنَّ التَّغَيُّرَ الحَقِيقِيَّ لَا يَكْمُنُ فِي الجَسَدِ وَحْدَهُ، بَلْ فِي القَلْبِ.
فَقَدْ تَغَيَّرَ المُسْتَوْطِنُونَ جَسَدِيًّا، وَأَصْبَحُوا أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى الإِحْسَاسِ بِبِيئَتِهِمْ وَبِالكَائِنَاتِ مِنْ حَوْلِهِمْ، حَتَّى بَدَأُوا يَشْعُرُونَ بِأَلَمِ الآخَرِينَ وَخَوْفِهِمْ. وَهَذَا يُشِيرُ إِلَى مَعْنًى رُوحِيٍّ عَمِيقٍ :
فَالإِنْسَانُ لَا يَكْتَمِلُ حِينَ تَتَطَوَّرُ حَوَاسُّهُ، بَلْ حِينَ يَتَّسِعُ قَلْبُهُ لِيَرَى وَجَعَ الآخَرِ وَيَحْمِلَهُ بِالمَحَبَّةِ.
وَلَكِنَّ القِصَّةَ تُرِينَا أَيْضًا أَنَّ الحَوَاسَّ، مَهْمَا كَانَتْ قَوِيَّةً، لَا تَكْفِي لِمَعْرِفَةِ الحَقِيقَةِ.
فَأُورَا رَأَتْ مَشْهَدًا بَدَا لَهَا مُؤْلِمًا، وَكَادَ الشَّكُّ وَالغَيْرَةُ أَنْ يَصْنَعَا لَهَا قِصَّةً كَامِلَةً قَبْلَ أَنْ تَعْرِفَ الحَقِيقَةَ.
وَهُنَا تَكْمُنُ العِبْرَةُ :
لَيْسَ كُلُّ مَا نَرَاهُ هُوَ كُلُّ الحَقِيقَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا نَشْعُرُ بِهِ هُوَ الحُكْمَ النِّهَائِيُّ.
المَحَبَّةُ المَسِيحِيَّةُ تَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَتَمَهَّلَ قَبْلَ أَنْ نَحْكُمَ، وَأَنْ نَسْأَلَ قَبْلَ أَنْ نَتَّهِمَ، وَأَنْ نَغْفِرَ قَبْلَ أَنْ نَقْطَعَ العَلَاقَاتِ.
وَكَمَا كَانَ الأومبراكسُ يَخْرُجُ مِنْ ظِلَالِ الغَابَةِ لِيُهَدِّدَ الحَيَاةَ فِي المُسْتَعْمَرَةِ، هُنَاكَ أَيْضًا أَشْيَاءُ أَخْطَرُ قَدْ تَخْرُجُ مِنْ ظِلَالِ القَلْبِ: الخَوْفُ، وَالغَيْرَةُ، وَالشَّكُّ، وَسُوءُ الظَّنِّ.
لِذَلِكَ يَدْعُونَا المَسِيحُ إِلَى أَنْ نَحْرُسَ قُلُوبَنَا، وَأَنْ نَطْلُبَ الحَقِيقَةَ بِمَحَبَّةٍ، وَأَنْ نَجْعَلَ السَّلَامَ أَقْوَى مِنَ الخَوْفِ.
فَمَهْمَا تَغَيَّرَ العَالَمُ مِنْ حَوْلِنَا، وَمَهْمَا وَاجَهْنَا أَسْرَارًا لَا نَفْهَمُهَا، يَبْقَى أَعْظَمُ تَكَيُّفٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الإِنْسَانُ هُوَ أَنْ يَتَشَكَّلَ قَلْبُهُ عَلَى صُورَةِ المَسِيحِ :
قَلْبٌ يَرْحَمُ، وَيَغْفِرُ، وَيَتَأَنَّى، وَيَطْلُبُ الحَقَّ، وَيَخْتَارُ المَحَبَّةَ حَتَّى فِي وَسَطِ الخَوْفِ وَالغُمُوضِ.
«لِأَنَّ المَحَبَّةَ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ... المَحَبَّةُ لَا تَظُنُّ السُّوءَ.»
(١ كُورِنْثُوس ١٣: ٤-٥)
فَالمَجْدُ لَيْسَ فِي أَنْ نُصْبِحَ كَائِنًا جَدِيدًا، بَلْ فِي أَنْ نُصْبِحَ إِنْسَانًا جَدِيدًا بِالمَحَبَّةِ.
فريق عمل موقع المحبّة ©