03 Sep
03Sep

في كوكب "فيريديا-٧" الغامض، تكتشف "أورا" وأصدقاؤها معدنًا حيًا يغير مفاهيمهم عن الطبيعة.


قصة آسرة للأهل والأبناء تمزج بين الخيال العلمي وقيم الصداقة والتضحية، حيث يواجه الأبطال تحديات الوداع واكتشاف الذات.



كانت شمس "فيريديا-٧" البرتقالية تشرق بمهابة فوق التلال، كاسيةً الغابات بوشاح ذهبي ناعم.

وقفت أورا وصديقتاها زوي وأليكسيا بجوار السياج حيث تستريح مخلوقات الـ"غاليبر". 


هذه الكائنات المدهشة، التي تجمع بين شموخ الخيول الأرضية ورشاقة الظباء، أصبحت موردًا حيويًا لاستكشاف تضاريس الكوكب الوعرة. ومع ذلك، كان ترويضها تحديًا حقيقيًا.


تراجعت زوي خطوة للوراء حين أصدر أحد الـ"غاليبر" ذو الجلد المرقط صوتًا قويًا من أنفه أمام وجهها، وقالت بضجر :


— أظنه يكرهني.


ردت أورا وهي تمسح برفق على عنق الـ"غاليبر" الخاص بها، وهو صغير يدعى ليرا :


— إنه لا يكرهك، بل يختبرك فقط.


أدار الـ"غاليبر" رأسه نحو أورا وأصدر صوت قرقرة خافت بدا وكأنه يجعل الهواء يهتز من حولهما.


منذ ذلك اليوم في الكهف، لاحظت أورا شيئًا مختلفًا في علاقتها بهذه الحيوانات.


كان الأمر كما لو أنها تشعر بشيء بداخلها، شيء لم تكن هي نفسها تفهمه تمامًا.


— لماذا هو مطيع جدًا معك؟ 

— تساءلت زوي — كأنه...


أكملت أليكسيا الجملة، وهي تمتطي بثقة "غاليبر" آخر طويل الساقين، وجلستها تعكس استرخاءً وثقة :


— كأنه يفهم شيئًا نحن لا ندركه.


سألت زوي بإعجاب :


— كيف تفعلين ذلك؟


أجابت أليكسيا بابتسامة راضية :

— ليس سحرًا.. إنها الصبر، والثقة.


ابتسمت أورا بشرود، فقد كان عقلها في مكان آخر.


منذ أن استنشقت ذلك الغبار الرمادي في الكهف، تغير شيء ما بداخلها.

تحت أضواء معينة، كان جلدها يصدر وهجًا خافتًا يبدو وكأنه ينبض مع إيقاع الكوكب، ناهيك عن الرسم المعقد الذي ظهر من كاحلها المصاب، ممتدًا على ساقها مثل وشم عضوي حي.



أطلق الفريق العلمي على هذا العنصر اسم "فيريديتا"، وهو معدن لم يكن معروفًا قبل وصولهم إلى "فيريديا-٧".


في البداية، خلطوا بينه وبين الـ"تانتالوم"، أحد المواد الأساسية للأطراف الصناعية الحيوية التي تضمن بقاءهم على الكوكب.


لكن سرعان ما أدركوا أنه شيء مختلف تمامًا.


أجهزة المسح الدقيقة والمتقدمة التي استخدموها فشلت في اكتشافه تحت ظروف معينة، مما أدى إلى الارتباك الأولي.


ومن ناحية أخرى، بينما كان الـ "تانتالوم" خاملاً، بدت الـ"فيريديتا" حية، تتفاعل مع الكائنات وتكيفها بطرق لا تزال غير متوقعة.


شعرت أورا بذلك في جسدها : رابطة مع الكوكب، ومع إيقاعاته.


وبدا أن مخلوقات الـ"غاليبر" تدرك ذلك أيضًا؛ فقد حذرت من الزلزال قبل أن ترصد أنظمة المستعمرة أي خلل. 


كانت مارا قد ذكرت أن الطريقة التي يدخل بها المعدن إلى الجسم قد تحدث فرقًا.


إسحاق، الذي امتصه فقط من خلال جروح مفتوحة، أظهر زيادة واضحة في قدراته البدنية.


أما في حالة أورا، التي استنشقته أيضًا، فكانت التغييرات أكثر دقة، وأكثر عاطفية.


قاطعت زوي أفكارها قائلة :


— أورا؟ هل ستأتين أم تفضلين البقاء هنا سارحة بخيالك مع إسحاق؟


شعرت أورا بالحرارة تصعد إلى وجهها، واحتجت قائلة :


— أنا لا أسرح بخيالي مع إسحاق!

— رغم أنها كانت تعلم أن صديقتيها لن تصدقاها.


مازحتها أليكسيا وهي تمد يدها لتساعدها على الركوب :


— هيا، لا تكابري.. إنه شاب وسيم وشهم، وينظر إليك وكأنك عالمه بأسره.


تنهدت أورا، وقررت عدم إنكار الواضح، واعترفت وهي تصعد على ظهر ليرا :

— الأمر معقد.. أحيانًا يبدو أن كل شيء متناغم بيننا، ولكن هناك شيء ما... لا أدري، شيء يمنعني من أن أكون متأكدة.


قالت زوي بابتسامة مطمئنة :

— هذا لأنك تهتمين بالأمور بصدق، وهو أيضًا يهتم بك.. إمنحي الأمر وقتًا.


إنطلقت المجموعة نحو مرج قريب، حيث يمكن للـ"غاليبر" الركض بحرية.

وبينما كانوا يركضون، شعرت أورا كيف يستجيب ليرا لأفكارها حتى قبل أن تعطي الأوامر.

كان الأمر كما لو كانوا متصلين.


أوقفت أورا دابتها على قمة تلة وسألت :

— ألا تشعرن بذلك؟


نظرت أليكسيا حولها وسألت:— نشعر بماذا؟


أجابت أورا وهي تربت على عنق ليرا :

— كأن شيئًا ما يراقبنا.. لكن ليس بطريقة تهديدية... كأن الكوكب يعلم أننا هنا.


تبادلت زوي وأليكسيا النظرات.

منذ الزلزال، أصبحت صديقتهما أكثر تأملاً، وشبه صوفية في تفكيرها.

أحيانًا لم تكن الفتيات قادرات على مجاراة أفكارها، لكنهن احترمن ذلك.


فجأة، لفت انتباههن وميض. 

عند سفح التلة، كان هناك صدع صغير في الأرض يلمع ببريق فضي، إنه بريق الـ"فيريديتا".



سألت زوي وعيناها تلمعان بالإثارة :

— هل ننزل للاستكشاف؟


أومأت أورا برأسها.

نزلن بحذر وترجلن، ملاحظات كيف بقيت حيوانات الـ "غاليبر" قريبة، قلقة لكن دون أن تهرب.



عند الاقتراب، رأين أن الصدع يحتوي على بلورة نقية من الـ"فيريديتا"، متقزحة الألوان ومعقدة التكوين.

أخرجت أليكسيا أداة لمحاولة استخراج عينة، لكن بمجرد أن لمستها، بدأت الحيوانات تصدر أصواتًا عصبية.


صاحت أورا وهي توقفها :


— انتظري!


أغمضت أورا عينيها ووضعت يدها على البلورة.

سرى تيار من الطاقة الناعمة عبر ذراعها، وللحظة، استطاعت أن تشعر بالمحيط كما لم يحدث من قبل : جذور الأشجار، تدفق الرياح، وحتى نبضات قلوب صديقتيها.


سألت زوي بقلق :


— أورا، هل أنت بخير؟


قالت أورا وهي تشير إلى البلورة :


— إنه... إنه كأن الكوكب حي، وهذه البلورة جزء من روحه.


قررن عدم إستخراج الـ "فيريديتا"، بل وضع علامة على المكان ليتفحصه الخبراء لاحقًا.


عند العودة إلى المستعمرة، لاحظن جوًا مختلفًا.

كان المستوطنون يتجمعون في حلقات صغيرة، يتحدثون بصوت منخفض، وكان التوتر ملموسًا.

في وسط قاعة الاجتماعات، كانت مارا تتناقش مع ضباط آخرين بينما تطفو خريطة نجمية ثلاثية الأبعاد فوق الطاولة.


قالت مارا بصوت جاد ولكنه متماسك :

— لدينا مشكلة.. التحليلات تشير إلى أن القمر الرئيسي لـ "فيريديا-٧" غني بالـ"تانتالوم". 


بدونه، لن نتمكن من مواصلة تطوير الأطراف الصناعية ولا التقنيات المتقدمة التي نحتاجها للبقاء هنا.


عقد رجل مسن، يرتدي زي فني، ذراعيه بتعبير قلق وقال :

— نعلم مدى أهميته، لكن إرسال بعثة الآن... لسنا مستعدين بعد لمواجهة مخاطر إضافية.


أجابت مارا بحزم :


— لن نكون مستعدين تمامًا أبدًا. لكن هذه المهمة لا تحتمل التأجيل.. ليس لدينا ما يكفي من الـ "تانتالوم" للحفاظ على عمل الأنظمة في الأشهر المقبلة.. إنها مسألة بقاء.


راقبت أورا النقاش من زاوية الغرفة، ولاحظت كيف يتبادل المستوطنون حولها نظرات قلقة.

ورغم أن كلمات مارا كانت منطقية، إلا أن الثمن العاطفي للانفصال عن أحبائهم، ولو في نوبات مؤقتة، إلى جانب المخاطر التي تنطوي عليها مثل هذه المهمة، بدا ثقيلاً على الجميع.


في وقت لاحق، وبينما كانت تعبر ممرًا في المستعمرة، التقت بزوي.

تحاشتها زوي، ومرت مسرعة بجانبها.


لقت أورا بذراعها وأوقفتها :


— زوي! ما الأمر؟


إستدارت زوي بتعبير متوتر وقالت بصوت مشحون بالعتب :


— والدتك سترسل والديّ في البعثة. بالإضافة إلى المنجم، تريد إنشاء قاعدة اتصالات هناك في الأعلى.


فتحت أورا فمها للرد، لكنها لم تعرف ماذا تقول.

تحول الغضب المكتوم في عيني زوي إلى حزن، وخفضت بصرها.


تمتمت وعيناها محمرتان :


— سامحيني يا أورا.. أعلم أنه ليس خطأك، ولا خطأ والدتك.. لكنني لا أستطيع منع نفسي.. أنا خائفة.


شعرت أورا بوخزة من التعاطف، ودون تفكير، وضعت يدها على كتف صديقتها :


— أنا أتفهم ذلك. أنا أيضًا كنت سأخاف. لكن والديك قويان.. وسيعودان.


أومأت زوي بضعف قبل أن تغادر، تاركة أورا وحدها في الممر.


في يوم المغادرة، اجتمعت المستعمرة بأكملها أمام السفينة.


شكل المستوطنون ممرًا مهيبًا مر من خلاله أعضاء البعثة. 


واحدًا تلو الآخر، عبر أعضاء الفريق البوابة، واختفوا في ضياء الداخل.


كان الصمت مطبقًا، لا يقطعه سوى صوت الخطوات الخافت.

عندما جاء دور العضو الأخير، وهو فني شاب، توقف عند العتبة وأدار رأسه نحو الحشد. 


جالت عيناه ببطء في الوجوه بمزيج من الحزن والعزم، حتى التقت بعيني أورا.


بدا وكأن الزمن توقف، واختفى العالم للحظات من حولهما. عند تلاقي النظرات، شعرت أورا بدفء غريب في صدرها، تيار من المشاعر لم تستطع فهمه تمامًا.

كانت مجرد لحظة، لكنها حُفرت في ذهنها عندما استدار الفني أخيرًا واختفى داخل السفينة.


عندما أغلقت البوابة وأقلعت السفينة، هبط ثقل الوداع على المستعمرة كسحابة كثيفة. 


تعانق البعض في صمت، وعاد آخرون إلى مهامهم وعيونهم مثبتة على الأرض.



بعد ساعات، استُدعيت أورا إلى القسم الطبي مع إسحاق. 


يبدو أنهم أرادوا دراسة تأثيرات الـ "فيريديتا" على جسديهما بشكل أكبر لأنهم كانوا يفكرون في البدء باستخدامها مع مستوطنين آخرين.


بينما كانا ينتظران، جلسا في صمت، لكن أورا كانت واعية بوجود إسحاق بطريقة تتجاوز الحضور الجسدي.


كان الأمر كما لو أنها تستطيع الشعور به، كطاقة ثابتة ودافئة بجانبها.



خمن إسحاق مسار أفكارها، فرفع يده ووضعها برفق فوق يد أورا.

أرسل دفء لمسته قشعريرة خفيفة عبر عمودها الفقري. 


للحظة، لم يتحدث أي منهما، لكن الرابط بينهما كان ملموسًا، تيار صامت لا يحتاج إلى كلمات.


قال أخيرًا بصوت لا يكاد يُسمع :


— أورا.. لماذا تستمرين في التهرب مني؟


نظرت أورا في عينيه، ورأت فيهما شيئًا عميقًا : مودة، وإخلاص، وأيضًا قوة شخص تعلم كيف يحارب مخاوفه الخاصة.


أجابت، وهي تعلم أن إجابتها ليست صادقة تماماً :


— أنا لا أتهرب منك.


لم يصر إسحاق. سحب يده برقة، لكن كثافة نظرته بقيت محفورة في ذهن أورا بينما فُتح باب الغرفة ونودي عليهما.


عندما بدأ الأطباء في فحصهما، تركت أورا نفسها لأفكارها.


شعرت أن شيئًا بداخلها يتغير، ليس فقط جسديًا، بل أيضًا في كيفية رؤيتها للعالم وللناس من حولها.


لأول مرة منذ وصولهم إلى "فيريديا-٧"، لم تشعر بأنها كائن غريب.

الآن أصبحت ترى فرصًا، وروابط، ومستقبلاً مزدهرًا في كوكب، رغم غموضه، كان يعلمهم كيف يعيشون في إنسجام معه.



عندما انتهى الفحص، انتظرها إسحاق في الخارج.


نظرت إليه أورا، ورغم أنها لم تقل شيئًا، ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها.


سألها :


— ما رأيك أن نتمشى قليلاً؟


وافقت أورا، وهي تشعر أن جزءًا منها، ذلك الجزء الذي كان يصارع مخاوفه، قد قرر أخيرًا أن يخطو الخطوة الأولى.






العِبْرَة :

«لَا تَخَفْ مِنَ الطَّرِيقِ، فَاللهُ يَسِيرُ مَعَكَ»

تُعَلِّمُنَا قِصَّةُ «فِيرِيدِيَا-٧» أَنَّنَا قَدْ نَقِفُ أَحْيَانًا أَمَامَ أَشْيَاءَ لَا نَفْهَمُهَا، وَأَمَامَ مُسْتَقْبَلٍ لَا نَعْرِفُ مَا يُخَبِّئُهُ لَنَا.

وَقَدْ نَشْعُرُ بِالخَوْفِ عِنْدَمَا نَفْقِدُ أَشْخَاصًا نُحِبُّهُمْ أَوْ نُجْبَرُ عَلَى مُوَاجَهَةِ تَغْيِيرٍ لَمْ نَخْتَرْهُ.


لَكِنَّ أَوْرَا تَكْتَشِفُ أَنَّ الحَيَاةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَا نَرَاهُ بِأَعْيُنِنَا؛ فَهُنَاكَ رَوَابِطُ خَفِيَّةٌ، وَأَسْرَارٌ، وَطَرِيقٌ يَتَكشَّفُ خُطْوَةً بَعْدَ خُطْوَةٍ.


وَهَكَذَا هِيَ حَيَاتُنَا مَعَ اللهِ. 


فَنَحْنُ لَا نَرَى دَائِمًا مَا يَفْعَلُهُ اللهُ فِي حَيَاتِنَا، وَلَا نَفْهَمُ لِمَاذَا يَسْمَحُ بِبَعْضِ التَّجَارِبِ وَالوَدَاعَاتِ وَالانتِظَارِ، لَكِنَّ الإِيمَانَ يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَثِقَ بِهِ حَتَّى عِنْدَمَا لَا نَرَى الطَّرِيقَ كُلَّهُ.


وَكَمَا أَدْرَكَتْ أَوْرَا أَنَّ الكَوْكَبَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَكَانٍ، بَلْ عَالَمًا يَحْمِلُ حَيَاةً وَرَوَابِطَ لَا تُرَى بِسُهُولَةٍ، يُعَلِّمُنَا اللهُ أَنْ نَرَى فِي خَلِيقَتِهِ وَفِي إِخْوَتِنَا عَطِيَّةً تَسْتَحِقُّ الحُبَّ وَالحِفَاظَ عَلَيْهَا.


وَأَجْمَلُ مَا فِي القِصَّةِ أَنَّ الخَوْفَ لَمْ يَمْنَعْ أَوْرَا مِنَ التَّقَدُّمِ.

فَالخُطْوَةُ الأُولَى نَحْوَ المَجْهُولِ قَدْ تَكُونُ صَعْبَةً، لَكِنَّنَا لَسْنَا وَحْدَنَا.


فَحِينَ نَضَعُ يَدَنَا فِي يَدِ اللهِ، لَا يَعُودُ المَجْهُولُ مَصْدَرًا لِلخَوْفِ، بَلْ يُصْبِحُ مَجَالًا لِاكتِشَافِ عَجَائِبِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ.


«لَا تَخَفْ، لأَنِّي مَعَكَ، وَلَا تَتَلَفَّتْ، لأَنِّي إِلَهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ.»

(إِشَعْيَاءَ ٤١: ١٠)



الرِّسَالَةُ الأَجْمَل :

لَيْسَ مُهِمًّا أَنْ أَعْرِفَ إِلَى أَيْنَ يَأْخُذُنِي الطَّرِيقُ؛ المُهِمُّ أَنْ أَعْرِفَ مَنْ يَسِيرُ مَعِي فِي الطَّرِيقِ.


 فريق عمل موقع المحبّة ©

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.